محمد بن لطفي الصباغ

12

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

ومن قرأ كتابه « قواعد التحديث » مثلا أو رجع إلى مقدمة تفسيره وجد نقولا نادرة قيد أوابدها ، وجمع شواردها ، لكن لم يؤلف بينها ولم يتخير أرجحها وأقواها ، فكأنّ عصره امتداد لعصر السيوطي ، وأسلوبه في التصنيف استمرار لأسلوبه ، وهو جمع المعلومات في كتاب واحد ، كما يجمع التاجر في المستودع أكبر قدر من السلع والبضائع . ومن المؤلفين طبقة أعلى من هذه الطبقة ، وإن جمع أصحابها قدرا أقل من المعلومات ، فرتبوها وصنفوها وميزوا الأصيل منها من المقلد ، وفرقوا بين المؤتلف والمختلف . ودرجة أعلى من المصنفين هم الذين يأخذون هذه المعلومات وهذه الأخبار والمرويات فيدخلها أحدهم ذهنه كما تدخل إبّالات القطن ( البالات ) إلى مصنع النسيج فتخرج منه قماشا عليه شارة المصنع ، وذلك مثل الغزالي . وإن كان الغزالي في « الإحياء » قد خلط الصوفية التي انتهى إليها بالطريقة الفكرية التي عاش عليها ، فكأنّ الواحد فيه صار اثنين : الغزالي العالم الذي يحكّم عقله في ترجيح الروايات ، وفهم النصوص ، وهذا هو عمل العقل فيها ، كما قال ابن خلدون . والغزالي الصوفي الذي يدع الحقيقة الشرعية التي يعرفها ، ويعتمد مشاعر قلبه ، وما تلقفه عمن جعلهم مشايخه من الصوفية ، وهو أعلم وأجل منهم ، والعجب كما قلت من قديم أن الغزالي كتب هذا الكلام في الاحياء في القرن الذي توالت علينا فيه المصائب من الشرق والغرب ، وجاءنا العدوان القويان الهمجيان يفسدان ديننا ويقوضان أركان حضارتنا : التتار والمغول الشرقيون ، والصليبيون الأوربيون ، يوم كانت أوروبة يعيش أهلها كالذئاب ، في أعماق الغاب ، وأتصور أحيانا ما ذا يكون حال المسلمين لو أنهم أخذوا بما جاء في « إحياء علوم الدين » فقللوا الاكل حتى أصابهم