عبد الوهاب بن السلار

37

كتاب طبقات القراء السبعة

والكعبة بحجارة المنجنيق تحذف ، وفلقها يرفض ، والمنايا بها تسمو ثم تنفض ، فبينما هو قائم في أربط جأش وأمكنه ، إذ مرت فلقة منها بين نحره وذقنه ، فما تطامن ولا قهقر ، / ولا تقدم ولا تأخّر ، ولا بالى لها بالا ، ولا التفت يمينا وشمالا ، فقال له قائل وقد استعظم ما رأى من جلده ، والكل قد ألقى بيده : هلا انحرفت عن إقبالك ، والتفتّ حذارا عن يمينك أو شمالك ! فقال « 1 » : وما عسى كانت تقي التفاتة لو التفتها من صلاتي . وروي أن الإمام أبا عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاري « 2 » رحمه اللّه في قصة شائعة مستفيضة ، قام إلى نافلة بعد فريضة فأطال ، وأصحابه يستبطون أمثاله ، وينهون محادثته وسؤاله ، فبعد لأي ما سلّم ، وبدا على وجهه أنه شكا أو تألّم ، فقال لبعضهم : تأمل ثوبي فإني أجد فيه شيئا ، فرفعه فإذا زنبور قد أبره بضع عشرة إبرة ، وجسمه قد أسر ، فعجب الحاكي واعتبر ، وقال : هلا أوجزت وتكلمت لأول ما تألمت ، فقال : كنت في سورة لم أرد قطعها . فهذه عصمكم اللّه طريقة القوم المثلى ، وهديهم الأوضح الأجلى ، ومحلهم الأرفع الأعلى ؛ فعليكم أمم قصدهم فاسلكوه ، ودعوا فضل جهدهم فلن تدركوه ، أما أن التعليق بهم كيف كانت شهادة ، والنظر إلى سبقهم مع التقصير عنهم عبادة ، واعلموا أنّ لأهل القرآن إذا كانوا من أهله وأصابوا وجه تلاوته وحمله الفضل الذي لا يدرك ، والحظ الذي لا ينازع ولا يشرك ؛ لأنهم إلى ربهم منقطعون ، ولكلامه الذي أنزل على نبيه صلى اللّه عليه وسلم تالون ومستمعون ، وإلى تعلمه وتعليمه مجتمعون ، فما منهم إلا عبق اللسان ، طيب الحجرات والأردان ، مشغول مشغوف بالقرآن ، قد جعله هجيراه وراحته / وذكراه ، لا يثنون إلى غيره طرفا ، ولا يعجبون بكلام ما خلاه حرفا ، ولا يقبلون للحروف عدلا ولا صرفا ، حتى تخرج من مخارجها ، وتسير على

--> ( 1 ) في الأصل : ( فقالت ) . ( 2 ) أخرج القصة الخطيب البغدادي في « تاريخه » ( 2 / 12 ) ، والمزي في « تهذيب الكمال » ( 24 / 446 - 447 ) ، والسبكي في « طبقات الشافعية » ( 2 / 223 ) ، والذهبي في « سير أعلام النبلاء » ( 12 / 441 - 442 ) ، وابن حجر في « هدي الساري » ( ص / 666 ) .