فضل حسن عباس
171
قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )
وإنما جاء خطأ الموسوعة في هذه القضية ؛ لأنهم ظنوا أن هذه الآية خاصة بالرسول عليه وآله الصلاة والسلام ، وأن أنواع الوحي الثلاثة التي ذكرت في الآية كلها إنما قصد بها النبي وحده والأمر بالطبع ليس كذلك ، فالآية تقول * وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ومعنى هذا : أن أي بشر أرسله اللّه كان وصول الرسالة الإلهية إليه لا يخرج عن واحدة من هذه الطرق الثلاث ، فبعضهم يلهمه اللّه ما يشاء أي يلقي في قلبه ما يريده اللّه ، وبعضهم يسمع كلام اللّه من وراء حجاب ، وبعضهم يأتيه الوحي بوساطة الملك ، وهذه الطريقة الأخيرة وحدها التي نزل بها القرآن ، فالقرآن الكريم لم يتلق منه شيء ولو آية واحدة بالطريقة الأولى ، ولا بالطريقة الثانية ، وإنما كان القرآن كله بوساطة الملك . قال تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) [ الشعراء : 192 - 195 ] . وفي آية أخرى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) [ النحل : 102 ] ، وفي آية أخرى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 97 ] والآيات التي تدل على هذا كثيرة ليس غرضنا أن نستقصيها . ولكن الذي نريد أن نصل إليه ، هو أن القرآن الكريم لم يوح إلى النبي عليه وآله الصلاة والسلام بالطريقة الأولى ، وهي الإلهام ولا بالطريقة الثانية وهي التكليم من وراء حجاب . وإنما هاتان الطريقتان هما من طرق الوحي لأنبياء اللّه عليهم الصلاة والسلام . وربما يكون النبي عليه وآله الصلاة والسلام ألهم بعض الأمور ، ولكن غير القرآن ، فالقرآن كله لم ينزل إلا بالطريقة الثالثة ، وهذا أمر متيقن لا مجال فيه لارتياب أو محاورة . وهذا الخطأ في الموسوعة جرّ إلى خطأ آخر ، وهذا أمر طبعيّ أن ينتج عن الخطأ خطأ آخر ، وهو ما قررته الموسوعة بأن القرآن « يستعمل اصطلاحا بأن القرآن نزل على الرسول ، فهذه الطريقة تدل على نوع من الخيال دون أن يكون هنالك صورة مرافقة لتوصيل هذا الخيال » .