فضل حسن عباس
120
قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )
برأي حتى ينزل الوحي ، وإذا حدث أن اجتهد في بعض هذه الحوادث ينزل الوحي ليصحح له ويبين وجه الحق ، كما رأينا ذلك في قصة خولة بنت حكيم وقد ظاهر منها زوجها ، فجاءت تسأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتجادله فيقول : ما أظنك إلا قد حرمت عليه ، فتنزل الآيات فيها البشرى لخولة وزوجها « 1 » . خامسا : هذه العبارة ، أعني عبارة الغرانيق ، إما أن يكون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد قالها بالفعل ، وإما أن يكون الشيطان هو الذي نطق بها كما تحكي الروايات ، وكلا الروايتين مرفوض ومردود ، أما الأول فلأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه يصرح في مواضع كثيرة من القرآن بأنه لا يملك لنفسه شيئا ، وبأنه لو شاء اللّه ما تلا شيئا من هذا القرآن قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ . . . [ يونس : 16 ] ، بل إن القرآن نفسه يقرر دون استحياء من النبي وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [ الأحزاب : 53 ] بأن هذا القرآن إنما هو رحمة وفضل من اللّه ، وأنهم يكادون يفتنونه عن بعض ما أوحي إليه ، ولكن اللّه يثبته وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ . . . [ الإسراء : 73 ] . بل يذهب القرآن إلى أكثر من هذا وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ( 44 ) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) [ الحاقة : 44 - 47 ] . أما الاحتمال الثاني فهو أكثر ما يكون بعدا عن المنطق والواقع ، فالقرآن بعيد عن أن يحوم حوله شيطان ، فالقارئ أول ما يقرأ القرآن يستعيذ باللّه من الشيطان الرجيم ، وهم لا يستطيعون ذلك أبدا ، والقرآن يبين هذه الحقيقة واضحة : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ ( 210 ) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ ( 211 ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( 212 ) [ الشعراء : 210 - 212 ] ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يتصور ، بل كيف يصح أن يأتوا بشيء منه في حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يتلوه ؟ يقينا إن شياطين الجنّ لا يستطيعون ذلك ، ومع ذلك فإن شياطين الإنس قد اختلقوه وافتروه ، والشيطان كما نعلم لا يستطيع أن يتمثل بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما جاء في الأحاديث
--> ( 1 ) ينظر ما قيل في سبب نزول أوائل سورة المجادلة .