فضل حسن عباس

116

قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية ( نقد مطاعن ، ورد شبهات )

سبحانه ، فهو رب العالمين جميعا والعوالم كلها ، أرضيها وسماويها ، وهو وحده الذي يهب الرحمة ، وهو وحده المتصرف بيوم الدين ، أي الآخرة ، وفي هذه الآية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) حسم لكل ذي ريب ؛ لأن معنى هذه الآية كما يفهمها العربي لأول مرة بطبيعته وفطرته ، ويفهمها من جاء بعدهم بفطنته ودرسه ، أي لا نعبد غيرك ولا نستعين بسواك ، فليست هذه الآية تثبت العبادة للّه والاستعانة به فحسب ، وإنما تنفي العبادة والاستعانة عن غيره . وهذا الفهم جاء من خصائص الأسلوب العربي ، وهو تقديم المفعول ( إياك ) على الفعلين ( نعبد ) و ( نستعين ) . إن قواعد النقد العربي والبلاغة العربية ، التي تدرك بالفطرة عند العرب الذين نزل فيهم القرآن ، وتحتاج إلى نوع معرفة عند الناس فيما بعد ، تبين لنا هذه الحقيقة ، وهي أن تقديم المفعول يدل على الاختصاص ، فإذا قلت مثلا « أحب فن الرسم » ، فأنا هنا قد قدمت الفعل ، فمعنى هذه العبارة إنني أحب الرسم ، وليس معناها إنني لا أحب غيره ، فقد أحب مع الرسم الشعر والرياضة ، ولكن حينما أقول : « فن الرسم أحب » وأقدم المفعول ، فليس معنى هذا أنني أحب فن الرسم ، فحسب كما جاء في العبارة الأولى ، وإنما إضافة لهذا المعنى الأول ، هناك معنى آخر ، وهو أنني أخصّه بالحب أكثر من غيره . وهكذا إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، فلو قال : ( نعبدك ونستعين ) لكان دالا على العبادة والاستعانة فحسب ، دون أن يعرض لآلهة أخر ، ولكن إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فيها شيء زائد ، وهو أننا لا نعبد إلا أنت ولا نستعين بغيرك ، فأنت الواحد الذي تستحق العبادة وجدير أن يستعان بك . أليست هذه حجة ساطعة لإثبات الوحدانية ؟ فكيف يقال : إن أمر الوحدانية إنما جاء متأخرا في القرآن ، ثم كلمة ( لا إله إلا اللّه ) ليس فيها مادة الوحدانية ، ولكن أليس معناها ومضمونها الدعوة إلى الوحدانية ، وهذه أول كلمة صدع بها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما تقول حقائق التاريخ .