احمد حسن فرحات
86
في علوم القرآن
الغرق . . فهو يرى حسن المناسبة ولكنه يشفق على من يسعى إليها مخافة ألا يصل إليها . الاتجاه الثالث : هو الذي يقول بالمناسبة ، ويمثله جمهور الذين بحثوا في هذا الموضوع - كالرازي والبقاعي وغيرهما - وقد نقلنا فيما سبق أقوالهم في ذلك . ولا شكّ أن رأي الجمهور هذا يعتمد على أدلة قوية كما قدمنا ، غير أن الطريقة التي سلكها طائفة منهم في التعرف على المناسبة واستكشافها ، لم تكن دائما تسعفهم بالحصول على المناسبة القوية والارتباط الحقيقي ، فيلجئون إلى مناسبات ضعيفة ربما اضطرتهم إلى شيء من التكلّف ، ومثل هذا المسلك هو الذي حمل أصحاب الاتجاه الأول على إنكار المناسبة والتشنيع على القائلين بها ، كما حمل أصحاب الاتجاه الثاني على القول بها في حال دون حال . ويبدو أن الطريقة التي كانوا يلجئون إليها في غالب الأحيان ، هي طريقة التحليل بحيث لا يجاوزون الآيتين المتجاورتين ، وبالتالي ينحصر البحث في معنى الآيتين ولا يجاوزهما إلى معان أخر تفهم من مجموع الآيات في السورة الواحدة ، ولو أنهم بعد أن سلكوا هذا الطريق التحليلي عادوا فنظروا في الآيات نظرة كلية جامعة ، لأمكنهم أن يربطوا بين الآيات كلها ربطا محكما ، لا شبهة فيه ولا تكلّف . . . الاتجاه الرابع : هو الذي يقول بأكثر من المناسبة ، إنه يقول « بالنظام » الذي تعتبر المناسبة جزءا من أجزائه ، ويمثل هذا الاتجاه العلّامة عبد الحميد الفراهي الهندي والأستاذ سيد قطب - رحمهما اللّه - ويقرب منهما الدكتور محمد عبد اللّه دراز في كتابه « النبأ العظيم » .