احمد حسن فرحات
229
في علوم القرآن
عقولهم ذلك الميزان الشرعي الدقيق الذي استخلصوه من أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في شأن الرجوع إلى أهل الكتاب ، فلم يكن سؤالهم لأهل الكتاب عن كل شيء ، ولم يكونوا يصدقونهم في كل شيء - كما يقول أعداء الإسلام ومن جرى ويجري في ركابهم من المسلمين - بل كانوا يسألونهم عن أشياء لا تعدو أن تكون توضيحا لقصة من قصص القرآن ، وبيانا لما أجمل منها ، فإن ألقوا إليهم بشيء من ذلك تلقّوه في حرص وحذق ، وتفرّسوه في دقة وروية ، فما كان منه على وفق شرعنا صدّقوه ، وما كان على خلافه كذّبوه ورفضوه ، وما كان مسكوتا عنه في شرعنا ، ومترددا بين احتمال الصدق والكذب توقفوا فيه ، فلا يحكمون عليه بصدق ولا بكذب ما دام يحتمل كلا الأمرين ، امتثالا لقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا . . . » كذلك لم يسأل الصحابة - رضوان اللّه عليهم - أهل الكتاب عن شيء مما يتعلق بالعقيدة ، أو يتصل بالأحكام التي شرع اللّه لهم ، اكتفاء بما عندهم في ذلك ، اللّهم إلّا ما كان من سؤالهم لغرض الاستشهاد والتأكيد لما جاء به القرآن الكريم ، وإلزام المعاندين الحجة بشهادة ما في أيديهم من الكتاب . . . » « 1 » . ولقد بلغ الأمر بالصحابة أنهم كانوا إذا سألوا أهل الكتاب عن شيء فأجابوا عنه خطأ ردّوا عليهم خطأهم ، وبيّنوا لهم وجه الصواب فيه ، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال عن يوم الجمعة : « فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل اللّه تعالى شيئا إلا أعطاه إياه - وأشار بيده يقللها - » فقد اختلف السلف في تعيين هذه الساعة ، وهل هي باقية أو رفعت ؟ وإذا كانت باقية ، فهل
--> ( 1 ) « الإسرائيليات في التفسير والحديث » : 72 ، 73 .