احمد حسن فرحات

221

في علوم القرآن

وإن كان محدودا في حروفه وكلماته ، إلا أنه ليس محدودا بدلالاته ومعانيه ، وهو وإن كان واضحا بيّنا في معانيه الظاهرة ، فإنه خفي فيما وراء ذلك من إشاراته وإيماءاته المخبوءة في ثنايا الحروف وطيّ الكلمات ، ولهذا طلب إلينا أن نقرأه بتدبر وإمعان ، وأن نطيل في ذلك التفكر والتدبر : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ( 24 ) [ محمد ] ، أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) [ النساء ] . ولا شك بأن الصحابة الكرام قد تدبروا القرآن وفهموا كثيرا من معانيه وإيماءاته ، ولكنهم لم يفسروا للناس إلا ما وجدوا فيه حاجة لذلك ، ومن هنا فلم ينقل إلينا من عهد الصحابة إلا القليل من التفسير ، نظرا لأن زمانهم لم يكن الناس فيه بحاجة لأكثر من ذلك . ثم توزع الصحابة في الأرض أثناء الفتوح ، ودخلت في الإسلام أمم وشعوب من غير العرب ، وكان لا بد لهؤلاء المسلمين الجدد من أن يعرفوا دينهم ، وأن يفقهوا كلام ربهم ، فظهرت الحاجة إلى تعليم العربية لهؤلاء ، كما ظهرت الحاجة الماسة إلى تفهيمهم القرآن ، وهكذا توسع التابعون في التفسير أكثر من توسع الصحابة ، ودخلت الإسرائيليات كمصدر للتفسير ، نظرا لإسلام أعداد من اليهود والنصارى ، ذلك أنهم أخذوا يفهمون بعض القصص المجمل في القرآن في ضوء مرويّاتهم مما عرفوه عن آبائهم وأجدادهم من بني إسرائيل ، وقد تساهل عدد من علماء المسلمين في قبول هذه المرويات وروايتها حتى غدت شائعة في كتب التفسير ، وعرفت فيما بعد باسم « الإسرائيليات » . ثم تتابع المفسرون للقرآن بعد عهد التابعين يزيدون في التفسير ، ويتوسعون في الشرح والتفصيل نظرا لبعد الناس عن عهد التنزيل ، ونظرا