محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
98
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
ولقد قلنا إن العبرة في تلقي القرآن إنما هي المشافهة ، وما الكتابة والتسجيل سوى عاملين مساعدين في الحفظ والضبط . ومع ذلك فهناك حاجة ملحة إلى طبع القرآن الكريم وفقا لقواعد الإملاء الحديثة . ولقد وقفت دون تعديل الرسم العثماني قداسة أضفيت على هذا الرسم ، إلى حد أن بعض العلماء قال إنه توقيفي ، أي بوحي من اللّه . وكان هذا القول منهم مغالاة في تقديس الصورة التي كتب بها المصحف في عهد عثمان . ولو كانت هذه الكتابة توقيفية لتشابهت من كل جهة في خطوط كتاب الوحي ، وهو ما لم يقل به أحد . ولعل هذا التقديس لصورة الكتابة جاء خوفا من أن يقع تحريف في النقل ، أو أن يكتب بصورة يعتريها التغير بعد فوات عصرها ، فيكون العدول عن الرسم العثماني أمرا يؤدي إلى تغيير صورة اتفقت عليها كلمة الصحابة في عصر عثمان ، وليس يؤدي إلى وضع رسم ثابت له قداسته ، يبقى القرآن الكريم مسجلا به ، من غير أن يمس هذا التسجيل المتفق عليه أي تغيير . وقد اختلف في جواز كتابة المصحف بما استحدث من الهجاء ، وكانت الآراء كلها اجتهادا من أصحابها . وليس منها ما بني على وحي أو نص . وممن أباح مخالفة الرسم العثماني القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه الانتصار ، حيث يقول : « وأما الكتابة فلم يفرض اللّه على الأمة فيها شيئا ، إذ لم يأخذ على كتّاب القرآن ، وخطاط المصاحف رسما بعينه دون غيره أوجبه عليهم ، وترك ما عداه ، إذ وجوب ذلك لا يدرك إلا بالسمع والتوقيف . وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص ، وحدّ محدود لا يجوز تجاوزه . ولا في نص السنة ما يوجب ذلك ويدل عليه . ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك ، ولا دلت عليه القياسات الشرعية ، بل السنّة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يأمر برسمه ، ولم يبين لهم وجها معينا ، ولا نهى أحدا عن كتابته . ولذلك اختلفت خطوط المصاحف ، فمنهم يكتب الكلمة على مخرج اللفظ ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح ، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال . ولأجل هذا بعينه