محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
79
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
ويذكر ابن حجر العسقلاني أن هذا الجمع تم عام 25 للهجرة . فالفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان « أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته ، لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد ، فجمعه في صحائف ، مرتبا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم . وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات ، فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعض فخشي من تفاقم الأمر في ذلك ، فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد ، مرتبا لسوره ، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم ، وإن كان قد وسّع في قراءته بلغة غيرهم رفعا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر . فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة « 1 » » . ويصف القاضي أبو بكر - في كتابه الانتصار - مصحف عثمان بأنه قصد إلى جمع الناس على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي ، وإلغاء ما ليس كذلك ، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير ، ولا تأويل أثبت مع تنزيل ، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه ، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد . أما عدد المصاحف التي نسخت فقيل إنها أربعة وقيل خمسة وقيل سبعة . ولقد لقى عمل عثمان هذا معارضة - في أول الأمر - من عبد اللّه بن مسعود . لكن كثرة الصحابة تلقوا عمله بالقبول والرضا ، ولم ينكر عليه أحد إحراقه المصاحف المخالفة للمصحف الإمام ، بل عدوا ذلك من مناقبه ، حتى قال علي : لو وليت ما ولي عثمان لعملت بالمصاحف ما عمل « 2 » . وما لبث ابن مسعود بعد ذلك أن قبل ما قبله سواه من الصحابة .
--> ( 1 ) السيوطي : الاتقان ، ج 1 ، ص 60 . ( 2 ) الزركشي : البرهان ، ج 1 ، ص 240 .