محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

68

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

من هنا يتبين لك أن الآية الكريمة التي وردت في سورة الأنعام ، لا تحصر ما حرّم أكله ، ومع ذلك يفهم من لفظها معنى الحصر . ودفع الحصر يستفاد من سبب نزول هذه الآية ، فقد نزلت بسبب أولئك الكفار الذين أبوا إلا أن يحرموا ما أحل اللّه ويحلوا ما حرم . فنزلت الآية بهذا الحصر محادة للكفار ناقضة لقولهم ، ولم تقصد إلى حقيقة الحصر ، أي حصر المحرمات من الأطعمة فيما ذكرته الآية ، لأنها لا تنحصر فيما ذكر ، كما بينا . فكأنه تعالى يقول للكافرين : « لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به » . فهذه أمثلة توضح لنا أهمية معرفة أسباب النزول في فهم معاني القرآن الكريم واستنباط أحكامه . وهناك أبحاث لعلماء أصول الفقه عن « عموم اللفظ » وخصوص السبب ، أي ما نزل من القرآن الكريم بلفظ عام في سبب خاص ، وهل العبرة بعموم اللفظ ، أو بخصوص السبب . وقد اختلفوا حول هذه المسائل ، وهذا البحث وأمثاله مما اقتضاه عمل الأصوليين ، لأن مهمة هؤلاء الاستدلال بألفاظ الشارع على الأحكام . وصلة هذا بموضوع أسباب النزول هي كيفية الإفادة من هذه الأسباب في استنباط الأحكام . فهناك آيات نزلت في مناسبات خاصة بألفاظ عامة ، مثل آيات « الظّهار » ( المجادلة : 1 - 4 ) ، واللعان ( النور : 6 ) ، والقذف ( النور : 4 ) . فأسباب نزول هذه الآيات كانت في مناسبات خاصة لكنّ لفظها كان عاما . ولقد عممت أحكامها لعموم لفظها . وقال بعض الأصوليين الذين يذهبون إلى أن العبرة بخصوص السبب أن تعميم الحكم في هذه الآيات ليس مصدره عموم اللفظ ، بل قام على أدلة أخرى . وهناك حالات نزل فيها القرآن في مناسبات بلفظ عام وقصر حكمه على المناسبات الخاصة التي نزل فيها .