محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف
53
في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )
لكنّ أهمية معرفة المكي من المدني لا تتزعزع بهذا القول . فالقاضي أبو بكر أوجبها على علماء الأمة . وممن تحدث بوضوح عن أهمية هذه المعرفة محمد بن حبيب النيسابوري في كتابه « التنبيه على فضل علوم القرآن » . يقول : « من أشرف علم القرآن علوم نزوله ، وجهاته ، وترتيب ما نزل بمكة ابتداء ووسطا وانتهاء ، وترتيب ما نزل بالمدينة كذلك ، ثم ما نزل بمكة وحكمه مدني ، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي ، وما نزل بمكة في أهل المدينة ، وما نزل بالمدينة في أهل مكة ، ثم ما نزل بالجحفة « 1 » ، وما نزل ببيت المقدس ، وما نزل بالطائف ، وما نزل بالحديبية ، ثم ما نزل ليلا وما نزل نهارا ، وما نزل مشيعا وما نزل مفردا ، ثم الآيات المدنيات في السور المكية ، والآيات المكية في السور المدنية ، ثم ما حمل من مكة إلى المدينة وما حمل من المدينة إلى مكة ، وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة ، ثم ما نزل مجملا وما نزل مفسرا ، وما نزل مرموزا ، ثم ما اختلفوا فيه ، فقال بعضهم مدني . هذه خمسة وعشرون وجها ، من لم يعرفها ويميز بينها لم يحلّ له أن يتكلم في كتاب اللّه تعالى » . ( البرهان ، ج 1 ، ص 192 ) . وكلام النيسابوري هذا لا يناقض كلام القاضي أبي بكر ، فهو يلزم المجتهد الذي يتصدى لكتاب اللّه بمعرفة المكي والمدني ، ويفصل المسائل التي يجب عليه أن يعرفها . وقد أوردنا النص هنا لكي تعلموا منه المسائل التفصيلية التي حرص كثير من دارسي القرآن الكريم على معرفتها ، ووردت بشأن الكثير منها روايات عن الصحابة . ولقد أثر عن بعض الصحابة علم واسع بهذه الأمور : فيروى عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : « واللّه الذي لا إله غيره ، ما نزلت سورة من كتاب اللّه إلا وأنا أعلم أين نزلت ، ولا نزلت آية من كتاب اللّه الا وأنا أعلم فيما نزلت ، ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب اللّه تبلغه الإبل ، لركبت إليه » .
--> ( 1 ) الجحفة قرية على طريق المدينة بينها وبين مكة أربع مراحل .