محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

240

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

كان اليهود بعد التيه باحثين عن الاستقرار فأمروا بأن يدخلوا القرية . والقرية المذكورة هنا لم يعرف تحديدها من نص القرآن الكريم ، وقال المفسرون إن المقصود بها بيت المقدس ، وقيل المقصود أريحا . ومهما يكن الأمر ، فإن هؤلاء اليهود كانوا في ذلك الوقت جماعة من الساميين الذين يتجولون في مناطق من سيناء أو العقبة ، باحثين عن موضع يستقرون فيه ، شأنهم شأن غيرهم من الجماعات السامية التي كانت تتجول في تلك الأزمنة القديمة ، باحثة لها عن موضع تستقر فيه ، وكانت الشعوب السامية متشابهة النشأة متقاربة التراث . وقد أمروا بأن يسكنوا إحدى القرى ولا بد أن قادتهم عينوا لهم الموضع المقصود . فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً دعوة لهم لاستئناف حياة جديدة بعد محنة التشرد في البلاد ، فأتيح لهم أن يعيشوا مستقرين كغيرهم من الناس ، وأن يأكلوا من ثمرات الأرض . وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً دخول الباب ساجدين هنا يعني دخولهم القرية متواضعين خاضعين للّه تائبين من ذنوبهم . وقد أجهد بعض المفسرين أنفسهم في تفسير معنى دخول الباب ساجدين ، فمنهم من قال إن باب القرية كان صغيرا فوجب السجود للدخول فيه ، ومنهم من قال إن المقصود هو الركوع لا السجود ، ثم تحيروا في التوفيق بين السجود وبين التحرك للدخول ، وكل هذا مما لا طائل وراءه ، ولا حاجة بنا إلى القول به . وكفانا أن نفهم أن السجود هنا كناية عن الخضوع للّه ، ومثل هذا الخضوع كان ضروريا لهم بعد ما اقترفوا من الذنوب ، كذلك كان ضروريا لهم ليحسن استقرارهم مع غيرهم في مناطق هجرتهم ، فالتعالي والغرور اللذان كانا من صفات اليهود حيثما استقروا ، كثيرا ما سببا لهم سخط الناس عليهم ، وجعلهم عنصرا بغيضا في كل أرض هاجروا إليها . وَقُولُوا حِطَّةٌ