محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

24

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

ولما كان المعتزلة ينفون هذه الصفات فقد سموا معطّلة . ولم يلبث المعتزلة أن شربوا من الكأس التي شرب منها خصومهم ، حينما ولي المتوكل الخلافة ، وكان يدين بمعتقدات أهل السنة . وهنا ساد القول بأن القرآن غير مخلوق ، وبالغ بعض القائلين بهذا الرأي فأصروا على أنّ فكرة أنه غير مخلوق تشمل النسخ المكتوبة من القرآن بالحروف المرسومة فوق الورق ، وأن القرآن المقروء للصلاة والمتلو الخارج من حناجر المؤمنين لا يختلف عن كلام اللّه الأزلي غير المخلوق . ووقف الأشاعرة والماتريدية من هذه القضية موقفا وسطا ، فكلام اللّه الأزلي هو الكلام النفسي أي الصفة الأزلية للّه التي ليس لها بدء ولا يكون لها انقطاع . يقول الماتريدي : « إذا تساءلنا ما هو المكتوب في نسخ القرآن ؟ نقول هو كلام اللّه . والذي يتلونه في المساجد والذي يتلفظونه من الحناجر هو أيضا كلام اللّه . لكن الحروف المكتوبة والأصوات والترتيل ، كل ذلك مخلوق . « أما الأشعري فيقول بأنّ هذا الذي يظهر مكتوبا في نسخة القرآن ليس كلام اللّه الأزلي ولكنه تبليغ عن كلام اللّه الأزلي . يرى الأشعري أنّ كلام اللّه يطلق إطلاقين كما هو الشأن في الإنسان ، فالإنسان يسمى متكلما باعتبارين : أحدهما بالصوت ، والآخر بكلام النفس الذي ليس بصوت ولا حرف وهو المعنى القائم بالنفس ، الذي يعبر عنه بالألفاظ . فإذا انتقلنا من الإنسان إلى اللّه ، رأينا أن كلامه تعالى يطلق بهذين الإطلاقين : المعنى النفس وهو القائم بذاته ، وهو الأزلي القديم ، وهو لا يتغير بتغير العبارات ، ولا يختلف باختلاف الدلالات ، وهذا الذي نريده إذا وصفنا كلام اللّه بالقدم . . . أما القرآن - بمعنى المقروء المكتوب - فهو بلا شك كما يقول المعتزلة حادث مخلوق فإن كل كلمة تقرأ تنقضي بالنطق بما بعدها ، فكل كلمة حادثة ، فهكذا المجموع المركب منها » « 1 » . وهكذا جرّت البراهين العقلية الجافة التي أريد لها أن تفسر العقيدة إلى جدل عقيم . إنّ العقيدة الإسلامية في وضوحها وبساطتها لم تكن بحاجة إلى مثل هذه

--> ( 1 ) أحمد أمين : ضحى الاسلام ، ص 3 ، ص 40 ، 41 .