محمد عبد السلام كفافي / عبد الله الشريف

157

في علوم القرآن ( دراسات ومحاضرات )

ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه ، وكان ينزل جملا جملا وآيات آيات لبيان التوحيد والفروض الدينية بحسب الوقائع . ومنها ما هو في العقائد الإيمانية ، ومنها ما هو في أحكام الجوارح ، ومنها ما يتقدم ومنها ما يتأخر ويكون ناسخا له . وكان الرسول يبين المجمل ، ويميز الناسخ من المنسوخ ويعرفه أصحابه ، فعرفوه وعرفوا سبب نزول الآيات ، ومقتضى الحال منها . . . ونقل ذلك عن الصحابة وتداول ذلك التابعون من بعدهم ونقل ذلك عنهم ، ولم يزل متناقلا بين الصدر الأول والسلف حتى صارت المعارف علوما ودونت الكتب ، فكتب الكثير من ذلك ، ونقلت الآثار الواردة فيه عن الصحابة والتابعين ، وانتهى ذلك إلى الطبري والواقدي ، والثعالبي ، وأمثال هؤلاء من المفسرين . . . ثم صارت علوم اللسان صناعية : من الكلام في موضوعات اللغة وأحكام الإعراب ، والبلاغة في التراكيب ، فوضعت الدواوين في ذلك بعد أن كانت ملكات للعرب لا يرجع فيها إلى نقل ولا كتاب ، فتنوسي ذلك ، وصارت تتلقى من كتب أهل اللسان ، فاحتيج إلى ذلك في تفسير القرآن ، لأنه بلسان العرب وعلى منهاج بلاغتهم . . . « 1 » » فالتفسير في الأصل تفسير أثري يستند إلى الرواية عن الصحابة والتابعين . لكن التفسير تطور فيما بعد - حين دونت علوم اللغة والبلاغة - ووجد إلى جانب التفسير الأثري تفسير قام على الدراية . ومع ذلك ، فمثل هذا التفسير لم يخلص من أثر التفسير الأثري ، بل بقيت للروايات الصحيحة آثارها في توجيه الفهم ، وإيضاح النص . لكن التفسير الأثري حوى كثيرا من الروايات التي يتطرق إليها الشك ، وجمع عن أهل الكتاب روايات لا ترتبط بنص القرآن الكريم ، وتعرف هذه بالإسرائيليات . يقول ابن خلدون عن كتب التفسير الأثري إنها « تشتمل على الغث والثمين ، والمقبول والمردود ، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب

--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ، ص 366 ، طبعة بولاق .