أبي عبيد القاسم بن سلام الهروي
195
فضائل القرآن
فأما ما جاء من هذه الحروف التي لم يؤخذ علمها إلّا بالإسناد . والروايات التي تعرفها الخاصة من العلماء دون عوام الناس ، فإنما أراد أهل العلم منها أن يستشهدوا بها على تأويل ما بين اللوحين ، ويكون دلائل على معرفة معانيه ، وعلم وجوهه ، وذلك كقراءة حفصة وعائشة ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) صلاة العصر [ البقرة : 238 ] ، وكقراءة ابن مسعود ( والسارقون والسارقات فاقطعوا ايمانهم ) [ المائدة : 38 ] ، ومثل قراءة أبيّ بن كعب ( للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤ ) فيهن [ البقرة : 226 ] ، وكقراءة سعد ( فإن كان له أخ أو أخت ) من أمه [ النساء : 12 ] ، وكما قرأ ابن عباس ( لا جناح عليكم أن تبتغوا فضلا من ربكم ) في مواسم الحج [ البقرة : 198 ] ، وكقراءة جابر فإن اللّه من بعد إكراههن ( لهن ) غفور رحيم ) [ النور : 33 ] . فهذه الحروف وأشباه لها كثيرة ، قد صارت مفسرة للقرآن ، وقد كان يروى مثل هذا عن بعض التابعين في التفسير فيستحسن ذلك . فكيف إذا روى عن لباب أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم صار في نفس القراءة ، فهو الآن أكثر من التفسير وأقوى . وأدنى ما يستنبط من علم هذه الحروف : معرفة صحة التأويل على أنها من العلم الذي لا يعرف العامة فضله ، إنما يعرف ذلك العلماء ، وكذلك يعتبر بها وجه القراءة ، كقراءة من قرأ : ( يقص الحق ) فلما وجدتها في قراءة عبد اللّه يَقْضِي بِالْحَقِّ [ غافر : 20 ] علمت أنه إنما هي ( يقضي بالحق ) فقرأتها أنت على ما في المصحف ، واعتبرت صحتها بتلك القراءة . وكذلك قراءة من قرأ : أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [ النمل : 82 ] لما وجدتها في قراءة أبيّ ( تنبئهم ) علمت أن وجه القراءة تُكَلِّمُهُمْ في أشياء من هذا كثير ، لو تدبرت وجد فيها علم واسع لمن فهمه .