العلامة المجلسي

255

بحار الأنوار

" كن " فيكون ، لا بصوت يقرع ، ولا نداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ، ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا ، لا يقال له : كان بعد أن لم يكن فتجري عليه الصفات المحدثات ، ولا يكون بينها وبينه فصل ، ( 1 ) ولاله عليها فضل فيستوي الصانع والمصنوع ، ويتكافأ المبتدع والبديع ، خلق الخلائق من غير مثال ( 2 ) خلا من غيره ، ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه ، وأنشأ الأرض فأمسكهم من غير اشتغال ، وأرساها على غير قرار ، وأقامها بغير قوائم ، وربعها بغير دعائم ، وحصنها من الأود والاعوجاج ، ومنعها من التهافت والانفراج ، أرسى أوتادها ، وضرب أسدادها ، واستفاض عيونها ، وخذ أوديتها ، فلم يهن ما بناه ، ( 3 ) ولا ضعف ما قواه ، وهو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته ، والباطن لها بعلمه ومعرفته ، ( 4 ) والعالي على كل شئ منها بجلاله وعزته ، لا يعجزه شئ منها طلبه ، ولا يمتنع عليه فيغلبه ، ولا يفوته السريع منها فيسبقه ، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه ، خضعت الأشياء له فذلت مستكينة لعظمته ، لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره فتمتنع من نفعه وضره ، ولا كفؤ له فيكافيه ولا نظير له فيساويه ، هو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها ، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها كيف ولو اجتمع جميع حيوانها من طيرها وبهائمها وما كان من مراحها وسائمها وأصناف أسناخها ( 5 ) وأجناسها ، ومتبلدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها ، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ، ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت ( 6 ) وعجزت قواها ، وتناهت ورجعت خاسئة ؟ سيرة عارفة بأنها مقهورة ، مقرة بالعجز عن إنشائها ، مذعنة بالضعف عن إفنائها وأنه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت

--> ( 1 ) عطف على قوله : فتجرى . ( 2 ) وفي نسخة : على غير مثال ( 3 ) أي فلم يضعف . ( 4 ) قيد الظهور بالسلطان والعظمة احترازا من الظهور الحسي الامكاني ، وكذا البطون بالعلم والمعرفة تنزيها عن خفائه كذلك . ( 5 ) في نسخة : أشباحها . ( 6 ) أي وضلت .