العلامة المجلسي
251
بحار الأنوار
يكون الجبال أوتادا لها أنها حافظة لها عن الميدان والاضطراب بالزلزلة ونحوها ، إما لحركة البخارات المحتقنة في داخلها بإذن الله تعالى ، أو لغير ذلك من الأسباب التي يعلمها مبدعها ومنشئها ، ويؤيده ما سيأتي من خبر ذي القرنين ، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب السماء والعالم . قوله عليه السلام : وكمال معرفته التصديق به الفرق بينهما إما بحمل المعرفة على الاذعان بثبوت صانع في الجملة ، والتصديق على الاذعان بكونه واجب الوجود ، أو مع سائر الصفات الكمالية ، أو بحمل الأول على المعرفة الفطرية ، والثاني على الاذعان الحاصل بالدليل ، أو الأول على المعرفة الناقصة والثاني على التامة التي وصلت حد اليقين ، وإنما قال عليه السلام : وكمال التصديق به توحيده لان من لم يوحده وأثبت له شريكا فقد حكم بما يستلزم امكانه فلم يصدق به بل بممكن غيره . ( 1 ) فمن وصف الله
--> ( 1 ) قوله : وكمال توحيده الاخلاص له أي وكمال توحيده جعله مختارا خالصا من الدنس ، وتنزيهه عن شوائب العجز والنقص ، وتقديسه عما يلحق الممكنات ويعرضها من التجسم والتركب وغيرهما من الصفات السلبية . وأما قوله : وكمال الاخلاص له نفى الصفات له يحتمل أن يكون المراد به نفى المعاني والأحوال قال ابن ميثم : وكمال توحيده الاخلاص له ففيها إشارة إلى أن التوحيد المطلق للعارف إنما يتم بالاخلاص له وهو الزهد الحقيقي الذي هو عبارة عن تنحية كل ما سوى الحق الأول عن سنن الايثار ، وبيان ذلك أنه ثبت في علم السلوك أن العارف ما دام يلتفت مع ملاحظة جلال الله وعظمته إلى شئ سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول ، جاعل مع الله غيرا ، حتى أن أهل الاخلاص ليعدون ذلك شركا خفيا ، كما قال بعضهم : من كان في قلبه مثقال خردلة * سوى جلالك فاعلم أنه مرض أقول : ما قلناه أظهر وأنسب ، وسياق الكلام تشهد بذلك . وقال في شرح قوله : نفى الصفات عنه بعد احتماله ما ذكرنا : قلت : قد تقرر في مباحث القوم بيان أن كل ما يوصف به تعالى من الصفات الحقيقية والسلبية والإضافية اعتبارات تحدثها عقولنا عند مقايسة ذاته سبحانه إلى غيرها ، ولا يلزم تركيب في ذاته ولا كثرة ، فيكون وصفه تعالى بها أمرا معلوما من الدين ليعم التوحيد ، والتنزيه كل طبقة من الناس ، ولما كانت عقول الخلق على مراتب من التفاوت كان الاخلاص الذي ذكره عليه السلام أقصى ما تنتهى إليه القوى البشرية عند غرقها في أنوار كبرياء الله ، وهو أن تعتبره فقط من غير ملاحظة شئ آخر ، وكان اثباته عليه السلام الصفة في موضع آخر وصفه في الكتاب العزيز وسنن النبوية إشارة إلى الاعتبارات التي ذكرناها ، إذ كان من هو دون درجة الاخلاص يمكن أن يعرف الله سبحانه بدونها انتهى . وقال صدر المتألهين في شرح قوله عليه السلام ذلك : أراد به نفى الصفات التي وجودها غير وجود الذات ، وإلا فذاته بذاته مصدق لجميع النعوت الكمالية والأوصاف الإلهية من دون قيام أمر زائد بذاته تعالى فرض انه صفة كمالية له ، فعلمه وقدرته وارادته وحياته وسمعه وبصره كلها موجودة بوجود ذاته الأحدية ، مع أن مفهوماتها متغايرة ومعانيها متخالفة فان كمال الحقيقة الوجودية في جامعيتها للمعاني الكثيرة الكمالية مع وحدة الوجود .