العلامة المجلسي
222
بحار الأنوار
وسمها به من العجز على قدرته ، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه ، لم يخل منه مكان فيدرك بأينية ، ولاله شبح مثال فيوصف بكيفية ، ولم يغب عن شئ فيعلم بحيثية مبائن لجميع ما أحدث في الصفات ، وممتنع عن الادراك بما ابتدع من تصريف الذوات ، وخارج بالكبرياء والعظمة من جميع تصرف الحالات ، محرم على بوارع ناقبات الفطن تحديده ، وعلى عوامق ثاقبات الفكر تكييفه ، وعلى غوائص سابحات النظر تصويره ، لا تحويه الأماكن لعظمته ، ولا تذرعه المقادير لجلاله ، ولا تقطعه المقائيس لكبريائه ، ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه ، وعن الافهام أن تستغرقه ، وعن الأذهان أن تمتثله ، وقد يئست من استنباط الإحاطة به طوامح العقول ، ونضبت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم ، ورجعت بالصغر عن السمو إلى وصف قدرته لطائف الخصوم ، واحد لامن عدد ، ودائم لا بأمد ، وقائم لا بعمد ، وليس بجنس فتعادله الأجناس ، ولا بشبح فتضارعه الأشباح ، ولا كالأشياء فتقع عليه الصفات ، قد ضلت العقول في أمواج تيار إدراكه ، وتحيرت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليته ، وحصرت الافهام عن استشعار وصف قدرته ، وغرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته ، مقتدر بالآلاء ، وممتنع بالكبرياء ، ومتملك على الأشياء ، فلا دهر يخلقه ، ولا وصف يحيط به ، قد خضعت له رواتب الصعاب في محل تخوم قرارها ، وأذعنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها ، مستشهد بكلية الأجناس على ربوبيته ، وبعجزها على قدرته ، وبفطورها على قدمته ، وبزوالها على بقائه ، فلا لها محيص عن إدراكه إياها ، ولا خروج من إحاطته بها ، ولا احتجاب عن إحصائه لها ، ولا امتناع من قدرته عليها ، كفى بإتقان الصنع لها آية ، وبمركب الطبع عليها دلالة ، وبحدوث الفطر عليها قدمة ، وبأحكام الصنعة لها عبرة ، فلا إليه حد منسوب ، ولاله مثل مضروب ، ولا شئ عنه بمحجوب ، تعالى عن ضرب الأمثال والصفات المخلوقة علوا كبيرا ، وأشهد أن لا إله إلا هو إيمانا بربوبيته ، وخلافا على من أنكره ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، المقر في خير مستقر ، المتناسخ من أكارم الأصلاب ومطهرات الأرحام ، المخرج من أكرم المعادن محتدا ، وأفضل المنابت منبتا ، من أمنع ذروة ( 1 ) و
--> ( 1 ) " أمنع " من منع جاره أي حامى عنه وصانه من أن يضام ، أو من منع الحصن أي تعسر الوصول إليه ، يقال : مكان منيع ، ويقال : امرأة منيعة كناية عن العفيفة . والذروة بضم الذال وكسرها وسكون الراء : العلو والمكان المرتفع وأعلى الشئ ، ولعله إشارة إلى شرف والدته صلى الله عليه وآله وسلم ومجدها وعلو نسبها وحسبها وقداستها وشدة عفتها .