مركز الثقافة والمعارف القرآنية
87
علوم القرآن عند المفسرين
حدّه وحقيقته الموجودة فيه ، وعلى هذا القياس كل لفظ ومعنى . وأنت إذا اهتديت إلى الأرواح صرت روحانيا وفتحت لك أبواب الملكوت وأهلت لمرافقة الملأ الأعلى وحسن أولئك رفيقا ، فما من شيء في عالم الحس والشهادة الا وهو مثال وصورة لأمر روحاني في عالم الملكوت ؛ وهو روحه المجرد وحقيقته الصرفة . وعقول جمهور الناس في الحقيقة أمثلة لعقول الأنبياء والأولياء فليس للأنبياء والأولياء أن يتكلموا معهم إلا بضرب الأمثال ، لأنهم أمروا أن يكلموا الناس على قدر عقولهم ، وقدر عقولهم انهم في النوم بالنسبة إلى تلك النشأة والنائم لا ينكشف له شيء في الأغلب إلا بمثل ، ولهذا من كان يعلم الحكمة غير أهلها رأى في المنام أنه يعلق الدر في أعناق الخنازير ، ومن كان يؤذن في شهر رمضان قبل الفجر رأى أنه يختم على أفواه الناس وفروجهم . وعلى هذا القياس وذلك لعلاقة خفية بين النشآت ، فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وعلموا حقائق ما سمعوه بالمثال ، وعرفوا أرواح ذلك وعقلوا أن تلك الأمثلة كانت قشورا ، قال اللّه سبحانه : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً « 1 » فمثّل العلم بالماء والقلوب بالأودية والضلال بالزبد ، ثم نبه في آخرها فقال : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ « 2 » فكل ما لا يحتمل فهمك فإن القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي كنت في النوم مطالعا بروحك للوح المحفوظ ليتمثل لك بمثال مناسب ذلك يحتاج إلى التعبير ، فالتأويل يجري مجرى التعبير فالمفسر يدور على القشر ، ولما كان الناس إنما يتكلمون على قدر عقولهم ومقاماتهم فما يخاطب به الكل يجب أن يكون للكل فيه نصيب ، فالقشرية من الظاهريين لا يدركون إلا المعاني القشرية ، كما أن القشر من الانسان وهو ما في الإهاب والبشرة ومن البدن لا ينال الا قشر تلك المعاني وهو ما في الجلد والعلاف من السواد والصور ، وأما روحها وسرها وحقيقتها فلا يدركها الا أولو الألباب وهم الراسخون في العلم ، وإلى ذلك أشار النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في دعائه لبعض أصحابه حيث قال : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » ولكل منهم حظ قل أم كثر وذوق نقص أو كمل ، ولهم درجات في الترقي إلى أطوارها وأغوارها وأسرارها وأنوارها ، وأما البلوغ للاستيفاء
--> ( 1 ) سورة الرّعد : الآية 17 . ( 2 ) سورة الرّعد : الآية 17 .