مركز الثقافة والمعارف القرآنية

72

علوم القرآن عند المفسرين

أيضا كثيرة يدل الجميع على أن العمل صالحا كان أو طالحا يولّد من أقسام المعارف والجهالات ( وهي العلوم المخالفة للحق ) ما يناسبه . وقال تعالى - وهو كالكلمة الجامعة في العمل الصالح والعلم النافع - : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ « 1 » ، فبين أن شأن الكلم الطيب فهو الاعتقاد الحق أن يصعد إلى اللّه تعالى ويقرب صاحبه منه ، وشأن العمل الصالح أن يرفع هذا العلم والاعتقاد . ومن المعلوم أن ارتفاع العلم في صعوده إنما هو بخلوصه من الشك والريب وكمال توجه النفس إليه وعدم تقسم القلب فيه وفي غيره ( وهو مطلق الشرك ) ، فكلما كمل خلوصه من الشك والخطوات اشتد صعوده وارتفاعه . ولفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك ، فإنها عبرت في الكلم الطيب بالصعود ووصف العمل بالرفع ، والصعود يقابل النزول كما أن الرفع يقابل الوضع ، وهما أعني الصعود والارتفاع وصفان يتصف بهما المتحرك من السفل إلى العلو بنسبته إلى الجانبين ؛ فهو صاعد بالنظر إلى قصده العلو واقترابه منه ، ومرتفع من جهة انفصاله من السفل وابتعاده منه ، فالعمل يبعد الانسان ويفصله من الدنيا والإخلاد إلى الأرض بصرف نفسه عن التعلق بزخارفها الشاغلة والتشتت والتفرق بهذه المعلومات الفانية غير الباقية ، وكلما زاد الرفع والارتفاع زاد صعود الكلم الطيب ، وخلصت المعرفة عن شوائب الأوهام وقذارات الشكوك ، ومن المعلوم أيضا كما مر : أن العمل الصالح ذو مراتب ودرجات ، فلكل درجة من العمل الصالح رفع الكلم الطيب وتوليد العلوم والمعارف الحقة الإلهية على ما يناسب حالها . والكلام في العمل الطالح ووضعه الإنسان نظير الكلام في العمل الصالح ورفعه ، وقد مر بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ « 2 » . فظهر أن للناس بحسب مراتب قربهم وبعدهم منه تعالى مراتب مختلفة من العمل والعلم ، ولازمه أن يكون ما يتلقاه أهل واحدة من المراتب والدرجات غير ما يتلقاه أهل المرتبة والدرجة الأخرى التي فوق هذه أو تحتها ، فقد تبين أن للقرآن معاني مختلفة

--> ( 1 ) سورة فاطر : الآية 10 . ( 2 ) سورة الحمد : الآية 6 .