مركز الثقافة والمعارف القرآنية
69
علوم القرآن عند المفسرين
إيمانا . وأنت بالتأمل فيما تقدم من الأقوال تعلم : أن هذا لازم بعض الأقوال المتقدمة ، وهي التي ترى أن المتشابه إنما صار متشابها لاشتماله على تأويل يتعذر الوصول إليه وفهمه ، أو أن المتشابه يمكن حصول العلم به ورفع تشابهه في الجملة ، أو بالجملة بالرجوع إلى عقل أو لغة أو طريقة عقلائية يستراح إليها في رفع الشبهات اللفظية . وقال آخرون : إن معنى أمومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها ، وكلامهم مختلف في تفسير هذا الرجوع ، فظاهر بعضهم : أن المراد بالرجوع هو قصر المتشابهات على الإيمان والاتباع العملي في مواردها للمحكم ، كالآية المنسوخة يؤمن بها ويرجع في موردها إلى العمل بالناسخة ، وهذا القول لا يغاير القول الأول كثير مغايرة ، وظاهر بعض آخر أن معناها كون المحكمات مبينة للمتشابهات ، رافعة لتشابهها . والحق هو المعنى الثالث ، فإن معنى الأمومة الذي يدل عليه قوله : هن أم الكتاب - الآية - يتضمن عناية زائدة ، وهو أخص من معنى الأصل الذي فسرت به الام في القول الأول ، فإن في هذه اللفظة ، أعني لفظة الام عناية بالرجوع الذي فيه انتشاء واشتقاق وتبعض ، فلا تخلو اللفظة عن الدلالة على كون المتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرع على المحكمات ، ولازمه كون المحكمات مبينة للمتشابهات . على أن المتشابه إنما كان متشابها لتشابه مراده لا لكونه ذا تأويل ، فإن التأويل كما مر يوجد للمحكم كما يوجد للمتشابه ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ، فللمتشابه مفسر وليس الّا المحكم ، مثال ذلك قوله تعالى : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ « 1 » ، فإنه آية متشابهة ، وبإرجاعها إلى قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 2 » ، وقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ « 3 » ، يتبين : أن المراد بها نظرة ورؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسي ، وقد قال تعالى : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى - إلى أن قال : - لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى « 4 » ، فأثبت للقلب رؤية تخصه ، وليس هو الفكر فإن الفكر إنما يتعلق بالتصديق ، والمركب
--> ( 1 ) سورة القيامة : الآية 23 . ( 2 ) سورة الشورى : الآية 11 . ( 3 ) سورة الأنعام : الآية 103 . ( 4 ) سورة النجم : الآية 11 - 18 .