مركز الثقافة والمعارف القرآنية
59
علوم القرآن عند المفسرين
السور إلى أن المراد بها ؛ ألفاظ الحروف ، بعناية أن الكتاب الذي نزل عليكم هو هذه الحروف المقطعة التي تتألف منها الكلمات والجمل ، كما هو أحد المذاهب في معنى فواتح السور . وفيه : مضافا إلى أنه مبني على ما لا دليل عليه أصلا ، أعني تفسير الحروف المقطعة في فواتح السور بما عرفت أنه لا ينطبق على نفس الآية ، فإن جميع القرآن غير فواتح السور يصير حينئذ من المتشابه ، وقد ذم اللّه سبحانه اتباع المتشابه ، وعده من زيغ القلب ، مع أنه تعالى مدح اتباع القرآن بل عده من أوجب الواجبات ، كقوله تعالى : وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ « 1 » ، وغيره من الآيات وثالثها : أن المتشابه : هو ما يسمى مجملا ، والمحكم هو المبين . وفيه : أن ما بين من أوصاف المحكم والمتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل والمبين . بيان ذلك : أن إجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط ويندمج بعض جهات معناه ببعض فلا تنفصل الجهة المرادة عن غيرها ، ويوجب ذلك تحير المخاطب أو السامع في تشخيص المراد ، وقد جرى دأب أهل اللسان في ظرف التفاهم أن لا يتبعوا ما هذا شأنه من الألفاظ ، بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبين هذا المجمل فيصير بذلك مبينا فيتبع ، فهذا حال المجمل مع مبينه ، فلو كان المحكم والمتشابه هما المجمل والمبين بعينهما كان المتبع هو المتشابه إذا رد إلى المحكم دون نفس المحكم ، وكان هذا الاتباع مما لا تجوزه قريحة التكلم والتفاهم ، فلم يقدم على مثله أهل اللسان سواء في ذلك أهل الزيغ منهم والراسخون في العلم ، ولم يكن اتباع المتشابه أمرا يلحقه الذم ويوجب زيغ القلب . رابعها : أن المتشابهات هي الآيات المنسوخة لأنها يؤمن بها ولا يعمل بها ، والمحكمات : هي الآيات الناسخة لأنها يؤمن بها ويعمل بها ، ونسب إلى ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة ، ولذلك كان ابن عباس يحسب أنه يعلم تأويل القرآن . وفيه : أنه على تقدير صحته لا دليل فيه على انحصار المتشابهات في الآيات المنسوخة ؛ فإن الذي ذكره تعالى من خواص اتباع المتشابه من ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل جار في
--> ( 1 ) سورة الأعراف : الآية 157 .