مركز الثقافة والمعارف القرآنية
23
علوم القرآن عند المفسرين
وذلك نحو الكلام في صفات الباري - عز وجل - فإن الناظر [ من اللفظ ] وقع عليه الشبهة العظيمة في نحو قوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 1 » ، وقوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا « 2 » ، وما يجري مجراه . وأهل الحقائق لما تبيّنوا « 3 » - بالبراهين - ان اللّه تعالى واحد منزه عن التكثر - فكيف عن الجوارح - بنوا الألفاظ على ذلك ، وحملوها على مجاز اللغة ومشاع « 4 » الألفاظ فصينوا عما وقعت فيه « 5 » الفرقة الأولى « 6 » « 7 » . قال الراغب في كيفية بيان القرآن : اعترض [ بعض ] الناس فقال : كيف وصف القرآن بالبيان . فقال تعالى : هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ « 8 » ، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا « 9 » ، وقال : بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ « 10 » ، وقال : وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ « 11 » ، وقد علم ما فيه من الإشكال والمتشابه ، وما يجري مجرى الرموز ، نحو قوله تعالى : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ
--> ( 1 ) سورة المائدة : الآية 64 . ويقصد بالشبهة العظيمة شبهة التشبيه ، غير أن الخطابي الذي اعتبره الراغب ناظرا من اللفظ إلى المعنى قد صرح تصريحا قاطعا بنفي ذلك كله حينما قال : « ولا نقول إنها جوارح ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل . . » ومما يوضح رأي الخطابي ما ذكره ابن تيمية في « الرسالة المدنية في تحقيق المجاز والحقيقة في صفات اللّه تعالى » صفحة : 8 - 13 فانظره هناك . ( 2 ) سورة القمر : الآية 14 . ( 3 ) في نسخة : بينوا . ( 4 ) في نسخة : مساغ . ( 5 ) في نسخة : عليه . ( 6 ) يقصد ب « الفرقة الأولى » : الناظرين من اللفظ إلى المعنى ، وهم الخطابي ومن قال بقوله في الإيمان بآيات الصفات . والذي لا بدّ من بيانه هنا : أن كلام الخطابي في غاية الوضوح ولا يتأتى منه أي إشكال لأنه يقوم على إثبات الصفة ونفي التشبيه والتكييف . أما اللجوء إلى المجاز في هذا فابن تيمية يرى أنه لا يصار اليه - وإن كان لا يسميه مجازا - إلا بقرينة دالة عليه في سياق الكلام ، وهو ينكر فكرة تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز ، كما ينكر أن الأصل في الكلام حمله على الحقيقة فإذا تعذر ذلك حمل على المجاز . وعنده أن ما يسمى بالمجاز إذا دلت عليه قرينة في سياق الكلام فهو حقيقة ، وما يسمى بالحقيقة لا بد أيضا من قرينة تدل عليه في سياق الكلام . وعلى هذا فلا حاجة لهذا التقسيم إلى حقيقة ومجاز ، ولا حاجة إلى اعتبار الحقيقة هي الأصل فإذا تعذرت حمل الكلام على المجاز ، فالقرينة في سياق الكلام هي التي تحدد المعنى المراد ، وفي كلا الحالين يكون المعنى حقيقة . وبالنسبة لآيات الصفات عنده فالقرائن تدل على أن المراد بها ما يسمى بالحقيقة - في اصطلاح القائلين بالحقيقة والمجاز . ( 7 ) جامع التفاسير ج 1 ص 28 - 41 . ( 8 ) سورة آل عمران : الآية 138 . ( 9 ) سورة النساء : الآية 176 . ( 10 ) سورة الشعراء : الآية 195 . ( 11 ) سورة النور : الآية 34 .