مركز الثقافة والمعارف القرآنية
150
علوم القرآن عند المفسرين
ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ « 1 » ، بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ « 2 » ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 3 » ، يُرِيدُونَ وَجْهَهُ « 4 » ، وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي « 5 » إلى أمثال ذلك . فيقال لمن ادعى في هذا أنه متشابه لا يعلم معناه : أتقول هذا في جميع ما سمى اللّه ووصف به نفسه أم في البعض ؟ . فإن قلت : هذا في الجميع ، كان هذا عنادا ظاهرا وجحدا لما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام ، بل كفر صريح ، فإنا نفهم من قوله : أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ معنى ، ونفهم من قوله : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ معنى ليس هو الأول . ونفهم من قوله : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ « 6 » معنى . وصبيان المسلمين بل وكل عاقل يفهم هذا . وقد رأيت بعض من ابتدع وجحد من أهل المغرب مع انتسابه إلى الحديث لكن أثرت فيه الفلسفة الفاسدة من يقول : إنا نسمى اللّه الرحمن العليم القدير علما محضا من غير أن نفهم منه معنى يدل على شئ قط ، وكذلك في قوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ « 7 » يطلق هذا اللفظ من غير أن نقول له علم « 8 » . . . . . والصواب ما عليه أئمة الهدى ، وهو أن يوصف اللّه بما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، لا يتجاوز القرآن والحديث ، ويتبع في ذلك سبيل السلف الماضين أهل العلم والإيمان . والمعاني المفهومة من الكتاب والسنة ، لا ترد بالشبهات فتكون من باب تحريف الكلم عن مواضعه ، ولا يعرض عنها فيكون من باب : وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ
--> ( 1 ) سورة ص : الآية 75 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 64 . ( 3 ) سورة الرحمن : الآية 27 . ( 4 ) سورة الكهف : الآية 28 . ( 5 ) سورة طه : الآية 39 . ( 6 ) سورة إبراهيم : الآية 47 . ( 7 ) سورة البقرة : الآية 255 . ( 8 ) يوضح ابن تيمية هنا موقف علماء الكلام في قضية الصفات وخاصة المعتزلة والأشاعرة ويحاول أبطال مذهبهم . ذلك أن المعتزلة - كما يرى ابن تيمية - ينفون الصفات ويثبتون الأسماء فقط كاعلام مجردة عن معناها . ويبطل ابن تيمية هذا الرأي ، لان اثبات الاسم دون معناه المتضمن فيه لا يقول به عاقل ؛ فان اللّه لم يسم نفسه بالرحمن الرحيم الا لملاحظة معنى الرحمة في أفعاله . فلو جعلنا الرحمن علما مجردا عن معنى الرحمة كان هذا تعطيلا للصفة المتضمنة في الاسم .