مركز الثقافة والمعارف القرآنية
141
علوم القرآن عند المفسرين
في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد اللّه هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون والمحفوظ من التغير ، ومن التغير تصرف الأذهان بالورود عليه والصدور منه ، وليس هذا المس إلا نيل الفهم والعلم ، ومن المعلوم أيضا : أن الكتاب المكنون هذا هو أم الكتاب المدلول عليه بقوله : يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ « 1 » ، وهو المذكور في قوله : وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ « 2 » . وهؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم ، وليس ينزلها إلا اللّه سبحانه ، فإنه تعالى لم يذكرها إلا كذلك ، أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً « 3 » ، وقوله تعالى : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ « 4 » ، وما في القرآن شيء من الطهارة المعنوية إلا منسوبة إلى اللّه أو بإذنه ، وليست الطهارة إلا زوال الرجس من القلب ، وليس القلب من الإنسان إلا ما يدرك به ويريد به ، فطهارة القلب طهارة بنفس الإنسان في اعتقادها وإرادتها وزوال الرجس عن هاتين الجهتين ، ويرجع إلى ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة من غير ميلان إلى الشك ونوسان بين الحق والباطل ، وثباته على لوازم ما علمه من الحق من غير تماؤل إلى اتباع الهوى ونقض ميثاق العلم ، وهذا هو الرسوخ في العلم ، فإن اللّه سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلا بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة ، فقد ظهر أن هؤلاء المطهرين راسخون في العلم هذا . ولكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان ، فإن المقدار الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل ، ولازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين في علومهم لما أن تطهير قلوبهم منسوب إلى اللّه وهو تعالى سبب غير مغلوب ، لا أن الراسخين في العلم يعلمونه بما أنهم راسخون في العلم ، أي إن الرسوخ في العلم سبب للعلم بالتأويل ، فإن الآية لا تثبت ذلك ، بل ربما لاح من سياقها جهلهم بالتأويل ، حيث قال تعالى : يَقُولُونَ
--> ( 1 ) سورة الرعد : الآية 39 . ( 2 ) سورة الزخرف : الآية 3 . ( 3 ) سورة الأحزاب : الآية 33 . ( 4 ) سورة المائدة : الآية 6 .