مركز الثقافة والمعارف القرآنية
121
علوم القرآن عند المفسرين
القرآن والإسلام ! . وهذا المعنى هو الموجب لأن يبين الكتاب للإنسان حقائق المعارف أولا : وارتباط ما شرعه له من الأحكام العملية بتلك الحقائق ثانيا ، وبعبارة أخرى أن يفهمه : أنه موجود مخلوق للّه تعالى خلقه بيده ووسط في خلقه وبقائه ملائكته وسائر خلقه من سماء وأرض ونبات وحيوان ومكان وزمان وما عداها ، وأنه سائر إلى معاده وميعاده سيرا اضطراريا ، وكادح إلى ربه كدحا فملاقيه ثم يجزى جزاء ما عمله ، أيما إلى جنة ، أيما إلى النار فهذه طائفة من المعارف . ثم يفهمه : أن الأعمال التي تؤديه إلى سعادة الجنة ما هي ، وما تؤديه إلى شقوة النار ما هي ؟ أي يبين له الأحكام العبادية والقوانين الاجتماعية ، وهذه طائفة أخرى . ثم يبين له : أن هذه الأحكام والقوانين مؤدية إلى السعادة ، أي يفهمه : أن هذه الطائفة الثانية مرتبطة بالطائفة الأولى ، وأن تشريعها وجعلها للانسان إنما هو لمراعاة سعادته لاشتمالها على خير الانسان في الدنيا والآخرة ، وهذه طائفة ثالثة . وظاهر عندك أن الطائفة الثانية بمنزلة المقدمة ، والطائفة الأولى بمنزلة النتيجة ، والطائفة الثالثة بمنزلة الرابط الذي يربط الثانية بالأولى ، ودلالة الآيات على كل واحدة من هذه الطوائف المذكورة واضحة ولا حاجة إلى إيرادها . ومنها : أنه لما كانت عامة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادة والطبيعة ، وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلمية إلى الورود في إدراك المعاني وكليات القواعد والقوانين يختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسرت له الورود في عالم المعاني والكليات ، كان ذلك موجبا لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحس والمحسوس اختلافا شديدا ذا عرض عريض على مراتب مختلفة ، وهذا أمر لا ينكره أحد . ولا يمكن إلقاء معنى من المعاني إلى إنسان إلا من طريق معلوماته الذهنية التي تهيأت عنده في خلال حياته وعيشته ، فإن كان مأنوسا بالحس فمن طريق المحسوسات على قدر ما رقى اليه من مدارج الحس كما تمثل لذة النكاح للصبي بحلاوة الحلواء ، وإن كان نائلا للمعاني الكلية فيما نال وعلى قدر ما نال ، وهذا ينال المعاني من البيان الحسي والعقلي معا بخلاف المأنوس بالحس .