مركز الثقافة والمعارف القرآنية
109
علوم القرآن عند المفسرين
مقامات العلماء في درجات علمهم قوله : نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ « 1 » ، وقوله : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ « 2 » ، وقوله في حق الملائكة : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ « 3 » . وبالجملة إن للقرآن درجات ومنازل كما للانسان ، وأدنى مراتب القرآن وهو ما في الجلد والغلاف كأدنى مراتب الانسان وهو ما في الإهاب والبشرة . وللقرآن في كل مرتبة ومقام حملة يحفظونه ، والقشر من الانسان لا يدرك إلّا القشور من القرآن ، وأما روح القرآن وسرّه فلا يدركه إلا أولو الألباب وذو والبصائر ، إذ حقيقة الحكمة لا تنال إلا بموهبة اللّه ، ولذلك قال سبحانه بعد قوله : وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 4 » ، ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ « 5 » ، وسمّى الحكمة خيرا كثيرا فقال : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ « 6 » « 7 » ، « 8 » . قال الشيرازي : « ثم إن هنا ثلاثة أمور » : الأول : أن للقرآن ظهرا وبطنا ، ولبطنه بطن وهكذا ، وإذا لاحظنا ذلك في التكوينيات التي خلقها اللّه سبحانه ظهر نوع شبه لفهم المقصود بذلك ، فمثلا التفاح له ظهر هو قشره ، وبطن هو لبه ، ولبطنه بطن هو نواته ، ولنواته بطن هو مخه ، وهكذا الانسان له ظهر هو جلده المرئي منه ، وله بطن هو لحمه ، ولبطنه بطن هو القلب والكبد والكلية ، وكل بطن بمنزلة مخ النواة ، وفي القرآن مثلا قال سبحانه ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ « 9 » فظهره هؤلاء الثلاثة في قبال موسى عليه السّلام ، وبطنه أمثالهم في قبال محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ثم أمثالهم في قبال علي عليه السّلام وهكذا ، ويؤيد هذا المعنى ما ورد من أن القرآن كالشمس تجري كل يوم ، فله انطباق في كل زمان على أفراد وأعمال وحالات . ثم إن من الطبيعي أن يكون القرآن كذلك ، لأنه كتاب اللفظ في قبال كتاب الكون ،
--> ( 1 ) سورة يوسف : الآية 76 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 253 . ( 3 ) سورة الصّافّات : الآية 164 . ( 4 ) سورة الجمعة : الآية 2 . ( 5 ) سورة الجمعة : الآية 4 . ( 6 ) سورة البقرة : الآية 269 . ( 7 ) الحكمة المتعالية ، طبع دار إحياء التراث العربي ، ج 3 ص 32 - 40 . ( 8 ) الغيب والشهادة ج 1 ص 17 - 18 . ( 9 ) سورة القصص : الآية 6 .