مركز الثقافة والمعارف القرآنية

685

علوم القرآن عند المفسرين

مناجاة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خير ، وتطهير للنفوس ، والأمر به أمر ، بما فيه مصلحة العباد . ودلت على أن هذا الحكم إنما يتوجه على من يجد ما يتصدق به ، أما من لا يجد شيئا فان اللّه غفور رحيم . ولا ريب في أن ذلك مما يستقل العقل بحسنه ويحكم الوجدان بصحته فان في الحكم المذكور نفعا للفقراء ، لأنهم المستحقون للصدقات وفيه تخفيف عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فإنه يوجب قلة مناجاته من الناس ، وأنه لا يقدم على مناجاته - بعد هذا الحكم - إلا من كان حبّه لمناجاة الرسول أكثر من حبّه للمال . ولا ريب أيضا في أن حسن ذلك لا يختص بوقت دون وقت . ودلت الآية الثانية على أن عامة المسلمين - غير علي بن أبي طالب عليه السّلام - أعرضوا عن مناجاة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إشفاقا من الصدقة ، وحرصا على المال . سبب نسخ صدقة النجوى : ولا ريب في أن إعراضهم عن المناجاة يفوّت عليهم كثيرا من المنافع والمصالح العامة . ومن أجل حفظ تلك المنافع رفع اللّه عنهم وجوب الصدقة بين يدي المناجاة . تقديما للمصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وعلى النفع الخاص بالفقراء . وأمرهم بإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وإطاعة اللّه ورسوله . وعلى ذلك فلا مناص من الالتزام بالنسخ ، وأن الحكم المجعول بالآية الأولى قد نسخ وارتفع بالآية الثانية . ويكون هذا من القسم الأول من نسخ الكتاب - أعني ما كانت الآية الناسخة ناظرة إلى انتهاء أمد الحكم المذكور في الآية المنسوخة - ومع ذلك فنسخ الحكم المذكور في الآية الأولى ليس من جهة اختصاص المصلحة التي اقتضت جعله بزمان دون زمان ، إذ قد عرفت انها عامة لجميع أزمنة حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلا أن حرص الأمة على المال ، وإشفاقها من تقديم الصدقة بين يدي المناجاة كان مانعا من استمرار الحكم المذكور ودوامه ، فنسخ الوجوب وأبدل الحكم بالترخيص . وقد يعترض : انه كيف جعل اللّه الحكم المذكور « وجوب التصدق بين يدي النجوى » مع علمه منذ الأزل بوقوع المانع ؟ !