مركز الثقافة والمعارف القرآنية
680
علوم القرآن عند المفسرين
آراء أخرى حول الآية : وأما بقية علماء أهل السنة فقد ذهبوا إلى أقوال : 1 - منهم من قال : « إن الآية نزلت في المشركين ، ثم نسخت بآيات السيف » . نسب ذلك إلى قتادة ، والضحاك ، والسدي ، وابن جريح ، وابن عباس ، وإلى كثير من الكوفيين . فقالوا : « إن الأسير المشرك يجب قتله ، ولا تجوز مفاداته ، ولا المنّ عليه باطلاقه » « 1 » . ويرده : أنه لا وجه للنسخ على هذا القول ، فان نسبة هذه الآية إلى آيات السيف نسبة المقيد إلى المطلق ، سواء أكانت متقدمة عليها في النزول أم كانت متأخرة عنها . وقد أوضحنا - فيما سبق - أن العام المتأخر لا يكون ناسخا للخاص المتقدم . فكيف بالمطلق إذا سبقه المقيد ؟ . 2 - ومنهم من قال : « إن الآية نزلت في الكفار جميعا فنسخت في خصوص المشرك » . نسب ذلك إلى قتادة ، ومجاهد ، والحكم . وهو المشهور من مذهب أبي حنيفة « 2 » . ويرده : أن هذا القول واضح البطلان كالقول السابق ، فان ذلك موقوف على أن تكون آيات السيف متأخرة في النزول عن هذه الآية . ولا يمكن القائل بالنسخ إثبات ذلك ، ولا سند له غير التمسك بخبر الواحد . وقد أوضحنا أن خبر الواحد لا يثبت به النسخ إجماعا . ولو فرضنا ثبوت ذلك ، فلا دليل على كون آيات السيف ناسخة لها ، ليصح القول المذكور ، بل تكون هذه الآية مقيدة لآيات السيف ، وذلك : لاجماع الأمة على أن هذه الآية قد شملت المشركين أو أنها مختصة بهم . وعلى ذلك كانت الآية المباركة قرينة على تقييد آيات السيف لما أشرنا اليه آنفا من أن المطلق لا يصلح أن يكون ناسخا للمقيد ، وإذا أغمضنا عن ذلك كانت هذه الآية الكريمة معارضة لآيات السيف بالعموم من وجه . ومورد الاجتماع هو المشرك الأسير بعد الاثخان ، ولا مجال للالتزام بالنسخ فيه .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 16 ص 227 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 16 ص 227 .