مركز الثقافة والمعارف القرآنية
673
علوم القرآن عند المفسرين
أو طلبه الولي العام الشرعي ، أو لما سوى ذلك من الطوارئ . وهذا الوجوب هو غير وجوب الجهاد كفائيا الذي ثبت بأصل الشرع على المسلمين بذاته . وكلا الوجوبين باق ، ولم ينسخ . 27 - وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ « 1 » . فعن ابن زيد : أن هذه الآية منسوخة بالأمر بالجهاد ، والغلظة على الكفار « 2 » ، وبطلان هذا القول يظهر مما قدمناه في ابطال دعوى النسخ في الآية الأولى من الآيات التي نبحث عن نسخها . فلا حاجة إلى الإعادة ، أضف إلى ذلك : أنه لا دلالة على أن المراد من الصبر في هذه الآية هو الصبر على الكفار . نعم الصبر عليهم يشمله اطلاق الآية . وعليه فلا وجه لدعوى النسخ فيها . 28 - وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ « 3 » . فعن ابن عباس ، وسعيد ، وقتادة : أنها منسوخة بآية السيف « 4 » : وغير خفي أن الصفح المأمور به في الآية المباركة هو الصفح عن الأذى الذي كان يصل من المشركين إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على تبليغه شريعة ربه ، ولا علاقة له بالقتال . ويشهد لهذا قوله تعالى بعيد ذلك : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ « 5 » . وحاصل الآية : أن اللّه سبحانه يحرّض النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على المصابرة في تبليغ أوامره ، ونشر أحكامه ، وأن لا يلتفت إلى أذى المشركين واستهزائهم . ولا علاقة لذلك بحكم القتال الذي وجب بعد ما قويت شوكة الاسلام ، وظهرت حجته . نعم إن النبي الأكرم لم يؤمر بالجهاد في بادئ الأمر ، لأنه لم يكن قادرا على ذلك حسب ما تقتضيه الظروف من غير طريق الإعجاز ، وخرق نواميس الطبيعة أو لما أصبح قادرا على ذلك ، وكثر المسلمون ، وقويت شوكتهم ، وتمت عدّتهم وعدّتهم أمر بالجهاد . وقد أسلفنا أن تشريع الأحكام الاسلامية كان على التدريج ، وهذا ليس من نسخ الحكم الثابت بالكتاب
--> ( 1 ) سورة يونس : الآية 109 . ( 2 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 178 . ( 3 ) سورة الحجر : الآية 85 . ( 4 ) نفس المصدر ص 180 . ( 5 ) سورة الحجر : الآية 94 و 95 .