مركز الثقافة والمعارف القرآنية
671
علوم القرآن عند المفسرين
تعالى إياهم بالنصر إذا ثبتت أقدامهم في إعلاء كلمة الاسلام . وقد جعل وجوب المقاومة مشروطا بأن لا يبلغ العدو أكثر من ضعف عدد المسلمين ، فان الكفار لجهلهم بالدين ، وعدم ركونهم إلى اللّه تعالى في قتالهم لا يتحملون الشدائد ، وإن عقيدة الايمان في الرجل المؤمن تحدوه إلى الثبات أمام الأخطار ، وتدعوه إلى النهضة لاعزاز الاسلام ، لأنه يعتقد بنجاحه على كل حال ، وربحه في تجارته على كل تقدير ، سواء أكان غالبا أم كان مغلوبا . قال اللّه تعالى : وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً « 1 » . 24 - إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً « 2 » . فعن ابن عباس ، والحسن ، وعكرمة : أنها منسوخة « 3 » بقوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً « 4 » . وهذا القول مبني على أن النفر كان واجبا ابتداء على جميع المسلمين ، مع أن الآية المباركة ظاهرة في أن الوجوب إنما هو على الذين يستنفرون إلى الجهاد . فقد قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 5 » . وحاصل الآية : أن من أمر بالنفير إلى الجهاد ولم يخرج استحق العذاب بتركه الواجب . ولا صلة لهذا بوجوب الجهاد على جميع المسلمين . وبهذا البيان يتضح بطلان دعوى النسخ « 6 » في قوله تعالى : انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ « 7 » . على أنا قد أوضحنا للقارئ - مرارا - : أن تخصيص العام ببعض أفراده ليس من
--> ( 1 ) سورة النّساء : الآية 104 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 39 . ( 3 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 169 . ونسبه القرطبي في تفسيره إلى الضحاك أيضا ج 8 ص 142 . ( 4 ) سورة التوبة : الآية 122 . ( 5 ) سورة التوبة : الآية 38 - 39 . ( 6 ) نسبها القرطبي في تفسيره إلى قائل ولم يسمه ج 8 ص 150 . ونسبها الطبرسي في مجمع البيان إلى السدي ج 3 ص 33 . ( 7 ) سورة التوبة : الآية 41 .