مركز الثقافة والمعارف القرآنية
639
علوم القرآن عند المفسرين
بلا إشكال في الأمور المهمة كالأعراض ، والنفوس ، والأمور الخطيرة ، بل في مطلق المنكرات على قول بعض ، كما أن الظاهر من جعل السبيل للمرأة التي ارتكبت الفاحشة هو جعل طريق لها تتخلص به من العذاب ، فكيف يكون منه الجلد والرجم ، وهل ترضى المرأة العاقلة الممسكة في البيت مرفّهة الحال أن ترجم وتجلد ، وكيف يكون الجلد أو الرجم سبيلا لها ، وإذا كان ذلك سبيلا لها فما هو السبيل عليها ؟ ! . وعلى ما تقدم : فقد يكون المراد من الفاحشة خصوص المساحقة ، كما أن المراد بها في الآية الثانية خصوص اللواط . وسنبين ذلك إن شاء اللّه تعالى . وقد يكون المراد منها ما هو أعم من المساحقة والزنا ، وعلى كلا هذين الاحتمالين يكون الحكم وجوب امساك المرأة التي ارتكبت الفاحشة في البيت حتى يفرّج اللّه عنها ، فيجيز لها الخروج إما للتوبة الصادقة التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة مرة ثانية ، وإما لسقوط المرأة عن قابلية ارتكاب الفاحشة لكبر سنها ونحوه ، وإما بميلها إلى الزواج وتزوجها برجل يتحفظ عليها ، وإما بغير ذلك من الأسباب التي يؤمن معها من ارتكاب الفاحشة . وهذا الحكم باق مستمر وأما الجلد أو الرجم فهو حكم آخر شرع لتأديب مرتكبي الفاحشة ، وهو أجنبي عن الحكم الأول . فلا معنى لكونه ناسخا له . وبتعبير آخر : أن الحكم الأول شرّع للتحفظ عن الوقوع في الفاحشة مرة أخرى ، والحكم الثاني شرّع للتأديب على الجريمة الأولى ، وصونا لباقي النساء عن ارتكاب مثلها فلا تنافي بين الحكمين لينسخ الأول بالثاني . نعم إذا ماتت المرأة بالرجم أو الجلد ارتفع وجوب الإمساك في البيت لحصول غايته ، وفيما سوى ذلك فالحكم باق ما لم يجعل اللّه لها سبيلا . وجملة القول : إن المتأمل في معنى الآية لا يجد فيها ما يوهم النسخ ، سواء في ذلك تأخر آية الجلد عنها وتقدمها عليها . وأما القول بالنسخ في الآية الثانية فهو أيضا يتوقف : أولا : على أن يراد من الضمير في قوله تعالى « يأتيانها » : الزنا . ثانيا : على أن يراد بالإيذاء : الشتم والسب والتعيير ونحو ذلك ، وكلا هذين الأمرين -