مركز الثقافة والمعارف القرآنية
631
علوم القرآن عند المفسرين
بعد هذه الرخصة هو استحباب الوصية المذكورة ، بل تأكّد استحبابها على الإنسان ، ويكون المراد من الكتابة فيها هو : القضاء بمعنى التشريع لا بمعنى الإلزام . 5 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ « 1 » . فقد ادعي أنها منسوخة بقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ « 2 » . وذكروا في وجه النسخ : أن الصوم الواجب على الأمة في بداية الأمر كان مماثلا للصوم الواجب على الأمة السالفة ، وأن من أحكامه : أن الرجل إذا نام قبل أن يتعشى في شهر رمضان لم يجز له أن يأكل بعد نومه في ليلته تلك ، وإذا نام أحدهم بعد المساء حرم عليه الطعام والشراب والنساء . فنسخ ذلك بقوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ « 3 » . وبقوله تعالى : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ . وقد اتفق علماء أهل السنة على أن آية التحليل ناسخة « 4 » ، ثم اختلفوا ، فقال بعضهم : هي ناسخة للآية السابقة ، فإنهم استفادوا منها أن الصوم الواجب في هذه الشريعة مماثل للصوم الواجب على الأمم السالفة ، قال بذلك أبو العالية ، وعطاء . ونسبه أبو جعفر النحاس إلى السدى أيضا « 5 » ، وقال بعضهم : إن آية التحليل ناسخة لفعلهم الذي كانوا يفعلونه . ولا يخفى أن النسخ للآية الأولى موقوف على إثبات تقدمها على الآية الثانية في النزول ، ولا يستطيع القائل بالنسخ إثباته ، وعلى أن يكون المراد من التشبيه في الآية تشبيه صيام هذه الأمة بصيام الأمم السالفة ، وهو خلاف المفهوم العرفي ، بل وخلاف صريح الآية . فان المراد بها تشبيه الكتابة بالكتابة ، فلا دلالة فيها على أن الصومين متماثلان لتصح دعوى النسخ ، وإذا ثبت ذلك من الخارج كان نسخا لحكم ثابت بغير القرآن ، وهو خارج عن دائرة
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية : 183 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية : 187 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية : 187 . ( 4 ) الناسخ والمنسوخ للنحاس ص 24 . ( 5 ) نفس المصدر ص 21 .