مركز الثقافة والمعارف القرآنية

624

علوم القرآن عند المفسرين

فقد نسب إلى جماعة منهم ابن عباس ، وأبو العالية ، والحسن ، وعطاء ، وعكرمة ، وقتادة ، والسدى ، وزيد بن أسلم أن الآية منسوخة « 1 » ، واختلف في ناسخها ، فذكر ابن عباس : أنها منسوخة بقوله تعالى : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ « 2 » . وذهب قتادة إلى أن الناسخ قوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 3 » . كذلك ذكر القرطبي « 4 » . وذكروا في وجه النسخ : أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وجميع المسلمين كانوا مخيرين في الصلاة إلى أية جهة شاءوا ، وإن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد اختار من الجهات جهة بيت المقدس ، فنسخ ذلك بالأمر بالتوجه إلى خصوص بيت اللّه الحرام . ولا يخفى ما في هذا القول من الوهن والسقوط ، فان قوله تعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ . صريح في أن توجهه إلى بيت المقدس كان بأمر من اللّه تعالى لمصلحة كانت تقتضي ذلك ، ولم يكن لاختيار النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في ذلك دخل أصلا . والصحيح أن يقال في الآية الكريمة : إنها دالة على عدم اختصاص جهة خاصة باللّه تعالى ، فإنه لا يحيط به مكان ، فأينما توجه الانسان في صلاته ودعائه وجميع عباداته فقد توجه إلى اللّه تعالى . ومن هنا استدل بها أهل البيت عليهم السّلام على الرخصة للمسافر أن يتوجه في نافلته إلى أية جهة شاء ، وعلى صحة صلاة الفريضة فيما إذا وقعت بين المشرق والمغرب خطأ ، وعلى صحة صلاة المتحير إذا لم يعلم اين وجه القبلة . وعلى صحة سجود التلاوة إلى غير القبلة . وقد تلاها سعيد بن جبير رحمه الله لما أمر الحجاج بذبحه إلى الأرض « 5 » ، فهذه الآية مطلقة ، وقد قيدت في الصلاة الفريضة بلزوم التوجه فيها إلى بيت المقدس تارة ، وإلى الكعبة تارة أخرى ، وفي النافلة أيضا في غير حال المشي على قول . وأما ما في بعض الروايات من أنها نزلت في النافلة فليس المراد أنها مختصة بذلك « وقد تقدم أن الآيات لا تختص بموارد نزولها » .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 157 ، 158 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 150 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 143 . ( 4 ) تفسير القرطبي ج 2 ص 74 . ( 5 ) تفسير القرطبي 2 ص 75 .