مركز الثقافة والمعارف القرآنية
622
علوم القرآن عند المفسرين
مناقشة الآيات المدعى نسخها : وعلى كل فلا بد لنا من الكلام في الآيات التي ادعي النسخ فيها . ونذكر منها ما كان في معرفة وقوع النسخ فيه وعدم وقوعه غموض في الجملة . أما ما كان عدم النسخ فيه ظاهرا - بعد ما قدمناه - فلا نتعرض له في المقام « وسنتعرض لذلك عند تفسيرنا الآيات إن شاء اللّه تعالى » . وليكن كلامنا في الآيات على حسب ترتيبها في القرآن الكريم : 1 - وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 1 » . فعن ابن عباس ، وقتادة ، والسدي أنها منسوخة بآية السيف . واختاره أبو جعفر النحاس « 2 » وآية السيف هو قوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ « 3 » . والالتزام بالنسخ - هنا - يتوقف على الالتزام بأمرين فاسدين : الأول : أن يكون ارتفاع الحكم المؤقت بانتهاء وقته نسخا ، وهذا واضح الفساد ، فان النسخ إنما يكون في الحكم الذي لم يصرّح فيه لا بالتوقيت ولا بالتأبيد . فان الحكم إذا كان مؤقتا - وإن كان توقيته على سبيل الإجمال - كان الدليل الموضح لوقته ، والمبين لانتهائه من القرائن الموضحة للمراد عرفا ، وليس هذا من النسخ في شيء . فان النسخ هو رفع الحكم الثابت الظاهر بمقتضى الاطلاق في الدوام وعدم الاختصاص بزمان مخصوص وقد توهم الرازي : أن من النسخ بيان الوقت في الحكم الموقت بدليل منفصل . وهو قول بين الفساد . وأما الحكم الذي صرح فيه بالتأبيد ، فعدم وقوع النسخ فيه ظاهر . الثاني : أن يكون أهل الكتاب أيضا ممن أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقتالهم . وذلك باطل ، فان
--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 109 . ( 2 ) في كتاب الناسخ والمنسوخ ص 26 طبع المكتبة العلامية بمصر . ( 3 ) سورة التوبة : الآية 29 .