مركز الثقافة والمعارف القرآنية

614

علوم القرآن عند المفسرين

قال : « قول اللّه : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ « 1 » » . ومن طرق العامة عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال : لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين ، لأن حق تقاته ان يطاع فلا يعصى طرفة عين وان يشكر فلا يكفر وان يذكر فلا ينسى ، والعباد لا طاقة لهم بذلك ، فانزل الله تعالى بعد هذه : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، ونسخت هذه الآية أولها ولم ينسخ آخرها . أقول المراد من قوله : والعباد لا طاقة لهم بذلك ، هي الطاقة والقدرة العرفية وهي عدم العسر والحرج في العمل مع بقاء القدرة العقلية ، فيكون حاصل كلامه : أن اللّه أمر عباده بالتقوى الّتي فيها العسر والحرج ، ثم خفف عنهم بان امرهم بالتقوى الّتى استطاعوها بالاستطاعة العرفية وهي ما لا حرج فيه ، فلم يكن في المنسوخ التكليف بغير المقدور حتى يستدل به على جوازه كما ذهب إليه المشهور من أهل السنة . ومنها - في سورة النساء قوله تعالى وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا « 2 » . عن الصادق عليه السّلام انه سئل عن هذه الآية قال : « هي منسوخة » ، قيل : كيف كانت ؟ قال : « كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها أربعة شهود أدخلت بيتا ولم تحدث ولم تكلم ولم تجالس وأوتيت بطعامها وشرابها حتى تموت أو يجعل اللّه لهن سبيلا قال : جعل السبيل الجلد والرجم وعن العياشي عنه عليه السّلام : « هي منسوخة » ، والسبيل الحدود . وعن القمي رحمه اللّه فيها وفي الآية التي بعدها : وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً « 3 » ، قال : كان في الجاهلية إذا زنى الرجل يؤذى والمرأة تحبس إلى أن تموت ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا « 4 » الآية . أقول : لا يبعد ان يكون إطلاق النسخ بالنسبة إلى الآية الأولى على خلاف المصطلح ، لأن الحكم فيها معنى بجعل السبيل فلا يكون جعل السبيل وهو الحدود ناسخا .

--> ( 1 ) سورة التغابن : الآية 16 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 15 . ( 3 ) سورة النساء : الآية 16 . ( 4 ) سورة النّور : الآية 2 .