مركز الثقافة والمعارف القرآنية
604
علوم القرآن عند المفسرين
وقد اتفق الجميع على امكان ذلك ، وعلى وجود آيات في القرآن ناسخة لأحكام ثابتة في الشرائع السابقة ، ولأحكام ثابتة في صدر الإسلام . ولتوضيح ما هو الصحيح في هذا المقام نقول : إن نسخ الحكم الثابت في القرآن يمكن أن يكون على أقسام ثلاثة : 1 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بالسنة المتواترة ، أو بالاجماع القطعي الكاشف عن صدور النسخ عن المعصوم عليه السّلام ، وهذا القسم من النسخ لا اشكال فيه عقلا ، ونقلا . فان ثبت في مورد فهو المتّبع ، وإلا فلا يلتزم بالنسخ . وقد عرفت ان النسخ لا يثبت بخبر الواحد . 2 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى منه ناظرة إلى الحكم المنسوخ ، ومبينة لرفعه . وهذا القسم أيضا لا اشكال فيه . وقد مثلوا لذلك بآية النجوى « وسيأتي الكلام عليها إن شاء اللّه تعالى » . 3 - إن الحكم الثابت بالقرآن ينسخ بآية أخرى غير ناظرة إلى الحكم السابق ، ولا مبيّنة لرفعه ، وإنما يلتزم بالنسخ لمجرد التنافي بينهما فيلتزم بأن الآية المتأخرة ناسخة لحكم الآية المتقدمة . والتحقيق : أن هذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن ، كيف وقد قال اللّه عز وجل : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . ولكن كثيرا من المفسرين وغيرهم لم يتأملوا حق التأمل في معاني الآيات الكريمة ، فتوهموا وقوع التنافي بين كثير من الآيات ، والتزموا لأجله بأن الآية المتأخرة ناسخة لحكم الآية المتقدمة ، وحتى أن جملة منهم جعلوا من التنافي ما إذا كانت احدى الآيتين قرينة عرفية على بيان المراد من الآية الأخرى ، كالخاص بالنسبة إلى العام ، وكالمقيد بالإضافة إلى المطلق ، والتزموا بالنسخ في هذه الموارد وما يشبهها . ومنشأ هذا قلة التدبر ، أو التسامح في اطلاق لفظ النسخ بمناسبة معناه اللغوي ، واستعماله في ذلك وان كان شائعا قبل تحقق المعنى المصطلح عليه ، ولكن إطلاقه - بعد ذلك - مبني على التسامح لا محالة » « 2 » .
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 82 . ( 2 ) البيان ص 304 - 306 .