مركز الثقافة والمعارف القرآنية

594

علوم القرآن عند المفسرين

ولان الحكم الناسخ يبطل الحكم المنسوخ ، فعزة القرآن وغلبته تجعله بحيث لا يبطل ولا ينسخ جملة أو تفصيلا ، كلّا أو بعضا « من بين يديه » من كتابات السماء حيث تؤيده ولا تبطله ، « ولا من خلفه » حاضرا لديه كوحي السنة ، أو آتيا بعده كفتاوى الخلفاء والأئمة ، فلو أن حكما من الأحكام زمن الوحي أو بعده ينسخ حكما من أحكامه فقد أتاه الباطل ، الذي يبطله ويحوّله . والقرآن هو نفسه يحيل للرسول ملتحدا سواه : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً « 1 » فإنه الوحي الخالد الأم الذي يتبنى شريعة الإسلام طول الزمن ، ومهما كان وحي السنة أيضا وحيا ولكنه شارح له ، هامشي لا يمكن أن يختلف عنه وينسخه ، وقد أمر الرسول ان يتبعه ، فيعيش متابعة وحي القرآن طوال الرسالة : وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ « 2 » ، إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً « 3 » . وقد حصر الرسول حياته الرسالية باتباع ما يوحى إليه : قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي . . « 4 » إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ « 5 » . وما مرت على الرسول ولا مرة يتيمة أن يخالف وحي القرآن ولو نسخا لحكم من أحكامه ، إلّا ما اختلقته أيدي الزور والغرور أنه نسخ حكم المتعتين ، وليبرروا بدعة فلان التي يسمونها بدعة حسنة ! . ولان القرآن هو الوحي الأصيل الخالد حجة على العالمين ، لم يكن اللّه ليوحي إلى رسوله وحيا في سنة تنسخ وحي القرآن ، فالأحاديث التي تتحدث عن نسخ الكتاب بالسنة تضرب عرض الحائط ، لأنها تخالف الكتاب جملة وتفصيلا ، كما وأن آيات العرض وأحاديثه المتواترة تضربها عرض الجدار ، مهما كثر محدّثوها ومفتوها . وإذا الرسول لَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً « 6 » فما لغير الرسول يسمح لنفسه أن ينسخ القرآن : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ . . . هُمُ الظَّالِمُونَ . . . هُمُ

--> ( 1 ) سورة يونس : الآية 109 . ( 2 ) سورة الكهف : الآية 27 . ( 3 ) سورة النساء : الآية 105 . ( 4 ) سورة الأعراف : الآية 203 . ( 5 ) سورة الأحقاف : الآية 9 . ( 6 ) سورة الكهف : الآية 27 .