مركز الثقافة والمعارف القرآنية

580

علوم القرآن عند المفسرين

فلا إعمال له في إطلاقه ، بل المعمل هو المقيد ، فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا ، فصار مثل الناسخ والمنسوخ . وكذلك العام مع الخاص . إذ كان ظاهر العام شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار ، فأشبه الناسخ والمنسوخ ، إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة ، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص ، وبقي السائر على الحكم الأول ، والمبين مع المبهم ، كالمقيد مع المطلق . فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني ، لرجوعها إلى شيء واحد ، ولا بد من أمثلة تبيّن المراد : فقد روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ « 1 » : أنه ناسخ لقوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها « 2 » وهذا ، على التحقيق ، تقييد لمطلق . إذ كان قوله : نُؤْتِهِ مِنْها مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة ، وهو قوله في الأخرى : لِمَنْ نُرِيدُ وإلا فهو إخبار ، والأخبار لا يدخلها النسخ . وقال في قوله : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إلى قوله : وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ « 3 » : هو منسوخ بقوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً . . . « 4 » الآية ، قال مكيّ - وقد ذكر عن ابن عباس ، في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الاستثناء ، أنه قال : منسوخ - قال : وهو مجاز لا حقيقة . لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه ، بيّنه حرف الاستثناء ، أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول ، والناسخ منفصل من المنسوخ ، رافع لحكمه ، وهو بغير حرف . هذا ما قال . ومعنى ذلك : أنه تخصيص للعموم قبله ، ولكنه أطلق عليه لفظ النسخ ، إذ لم يعتبر فيه الاصطلاح الخاص . وقال في قوله تعالى : لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها « 5 » : أنه منسوخ بقوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ . . . « 6 » الآية . وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء . غير أن قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ

--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 18 . ( 2 ) سورة الشورى : الآية 20 . ( 3 ) سورة الشعراء : الآية 224 - 226 . ( 4 ) سورة الشعراء : الآية 227 . ( 5 ) سورة النور : الآية 27 . ( 6 ) سورة النور : الآية 29 .