مركز الثقافة والمعارف القرآنية

575

علوم القرآن عند المفسرين

الناسخ « 1 » . النسخ في الاصطلاح : هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه ، سواء أكان ذلك الأمر المرتفع من الأحكام التكليفية أم الوضعية ، وسواء أكان من المناصب الإلهية أم من غيرها من الأمور التي ترجع إلى اللّه تعالى بما أنه شارع ، وهذا الأخير كما في نسخ القرآن من حيث التلاوة فقط . وإنما قيدنا الرفع بالأمر الثابت في الشريعة ليخرج به ارتفاع الحكم بسبب ارتفاع موضوعه خارجا ، كارتفاع وجوب الصوم بانتهاء شهر رمضان ، وارتفاع وجوب الصلاة بخروج وقتها ، وارتفاع مالكية شخص لماله بسبب موته ، فان هذا النوع من ارتفاع الأحكام لا يسمى نسخا ، ولا إشكال في امكانه ووقوعه ، ولا خلاف فيه من أحد . ولتوضيح ذلك نقول : إن الحكم المجعول في الشريعة المقدسة له نحوان من الثبوت : أحدهما : ثبوت ذلك الحكم في عالم التشريع والانشاء ، والحكم في هذه المرحلة يكون مجعولا على نحو القضية الحقيقية ، ولا فرق في ثبوتها بين وجود الموضوع في الخارج وعدمه ، وإنما يكون قوام الحكم بفرض وجود الموضوع . فإذا قال الشارع : شرب الخمر حرام - مثلا - فليس معناه أن هنا خمرا في الخارج . وأن هذا الخمر محكوم بالحرمة ، بل معناه أن الخمر متى ما فرض وجوده في الخارج فهو محكوم بالحرمة في الشريعة سواء أكان في الخارج خمر بالفعل أم لم يكن . ورفع هذا الحكم في هذه المرحلة لا يكون إلا بالنسخ . وثانيهما : ثبوت ذلك الحكم في الخارج ، بمعنى أن الحكم يعود فعليا بسبب فعلية موضوعه خارجا ، كما إذا تحقق وجود الخمر في الخارج . فان الحرمة المجعولة في الشريعة للخمر تكون ثابتة له بالفعل ، وهذه الحرمة تستمر باستمرار موضوعها ، فإذا انقلب الخمر خلّا فلا ريب في ارتفاع تلك الحرمة الفعلية التي ثبتت له في حال خمريته ، ولكن ارتفاع هذا الحكم ليس من النسخ في شيء ، ولا كلام لأحد في جواز ذلك ولا في وقوعه ، وإنما الكلام في القسم الأول ، وهو رفع الحكم عن موضوعه في عالم التشريع والإنشاء » « 2 » .

--> ( 1 ) وقد اطلق النسخ كثيرا على التخصيص في التفسير المنسوب إلى ابن عباس . ( 2 ) البيان ص 295 - 297 .