مركز الثقافة والمعارف القرآنية

525

علوم القرآن عند المفسرين

المبتنية على أدق القواعد ، وأحكم الأسس ، ولا سيما إذا طالت على ذلك المفترى أيام ، ومرت عليه أعوام . نعم لا بد من أن يقع في التناقض والتهافت من حيث يريد أو لا يريد ، لأن ذلك مقتضى الطبع البشري الناقص إذا خلا من التسديد . وقد قيل في المثل المعروف : لا حافظة لكذوب . وقد تعرض القرآن الكريم لمختلف الشؤون ، وتوسع فيها أحسن التوسع فبحث في الإلهيات ومباحث النبوات ، ووضع الأصول في تعاليم الأحكام والسياسات المدنية ، والنظم الاجتماعية ، وقواعد الأخلاق . وتعرض لأمور أخرى تتعلق بالفلكيات والتاريخ ، وقوانين السّلم والحرب ، ووصف الموجودات السماوية والأرضية من ملك وكواكب ورياح ، وبحار ونبات وحيوان وإنسان ، وتعرض لأنواع الأمثال ، ووصف أهوال القيامة ومشاهدها فلم توجد فيه أية مناقضة ولا أدنى اختلاف ، ولم يتباعد عن أصل مسلم عند العقل والعقلاء . وربما يستعرض الحادثة الواحدة مرتين أو أكثر ، فلا تجد فيه أقل تهافت وتدافع . وإليك قصة موسى عليه السّلام ، فقد تكررت في القرآن مرارا عديدة ، وفي كل مرة تجد لها مزية تمتاز بها من غير اختلاف في جوهر المعنى . وإذا عرفت أن الآيات نزلت نجوما متفرقة على الحوادث ، علمت أن القرآن روح من أمر اللّه ، لأن هذا التفرق يقتضي بطبعه عدم الملاءمة والتناسب حين يجتمع . ونحن نرى القرآن معجزا في كلتا الحالتين ، نزل متفرقا فكان معجزا حال تفرقه ، فلما اجتمع حصل له إعجاز آخر . وقد أشار إلى هذا النحو من الإعجاز قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . وهذه الآية تدل الناس على أمر يحسونه بفطرتهم ، ويدركونه بغريزتهم ، وهو أن من يعتمد في دعواه على الكذب والافتراء لا بد له من التهافت في القول ، والتناقض في البيان ، وهذا شيء لم يقع في الكتاب العزيز . والقرآن يتبع هذه الخطة في كثير من استدلالاته واحتجاجاته ، فيرشد الناس إلى حكم الفطرة ، ويرجعهم إلى الغريزة ، وهي أنجح طريقة في الإرشاد ، وأقربها إلى الهداية .

--> ( 1 ) سورة النّساء : الآية 82 .