مركز الثقافة والمعارف القرآنية
517
علوم القرآن عند المفسرين
حياة صاحبه على نفسه ، فحصل للمسلمين بفضل الإسلام من فتوح البلدان في ثمانين سنة ما لم يحصل لغيرهم في ثمانمائة سنة ، ومن قارن بين سيرة أصحاب النبي وسيرة أصحاب الأنبياء السابقين علم أن في ذلك سرا إليها ، وأن مبدأ هذا السر هو كتاب اللّه الذي أشرق على النفوس ، وطهر القلوب والأرواح بسمو العقيدة ، وثبات المبدأ . انظر إلى تاريخ الحواريين ، وإلى تاريخ غيرهم من أصحاب الأنبياء تعلم كيف كانوا . كانوا يخذلون أنبياءهم عند الشدائد ، ويسلمونهم عند خشية الهلاك ! ! ولذلك لم يكن لأولئك الأنبياء تقدم على طواغيت زمانهم ، بل كانوا يستترون عنهم بالكهوف والأودية . وهذه هي الخاصة الثانية التي تفضل القرآن على سائر المعجزات . إذ قد عرفت أن القرآن معجزة إلهية ، في بلاغته وأسلوبه فاعلم أن اعجازه لا ينحصر في ذلك ، بل هو معجزة ربانية ، وبرهان صدق على نبوة من أنزل اليه من جهات شتى ، فيحسن بنا أن نتعرض إلى جملة منها على نحو الاختصار : [ أن القرآن برهان صدق على نبوة من أنزل اليه من جهات شتى ] 1 - القرآن والمعارف : صرح الكتاب في كثير من آياته الكريمة بأن محمدا صلّى اللّه عليه وآله أمي ، وقد جهر النبي بهذه الدعوى بين ملأ من قومه وعشيرته الذين نشأ بين أظهرهم ، وتربى في أوساطهم ، فلم ينكر أحد عليه هذه الدعوى ، وفي ذلك دلالة قطعية على صدقه فيما يدعيه . ومع اميته فقد أتى في كتابه من المعارف بما أبهر عقول الفلاسفة ، وأدهش مفكري الشرق والغرب منذ ظهور الإسلام إلى هذا اليوم ، وسيبقى موضعا لدهشة المفكرين ، وحيرتهم إلى اليوم الأخير ، وهذا من أعظم نواحي الإعجاز . ولنتنازل للخصوم عن هذه الدعوى ، ولنفرض أن محمدا صلّى اللّه عليه وآله لم يكن أميا ، ولنتصوره قد تلقن المعارف ، وأخذ الفنون والتاريخ بالتعليم ، أفليس لازم هذا أنه اكتسب معارفه وفنونه من مثقفي عصره الذين نشأ بين أظهرهم ؟ ونحن نرى هؤلاء الذين نشأ محمد صلّى اللّه عليه وآله بينهم ، منهم وثنيون يعتقدون بالأوهام ، ويؤمنون بالخرافات ، وذلك ظاهر . ومنهم كتابيون يأخذون معارفهم وتأريخهم وأحكامهم من كتب العهدين التي ينسبونها إلى الوحي ، ويعزونها إلى الأنبياء . وإذا فرضنا أن محمدا صلّى اللّه عليه وآله أخذ تعاليمه من أهل عصره ،