مركز الثقافة والمعارف القرآنية
514
علوم القرآن عند المفسرين
الإسلام ، وركب آخرون جادة العناد ، فاختاروا المقابلة بالسيوف على المقاومة بالحروف ، وآثروا المبارزة بالسنان على المعارضة في البيان ، فكان هذا العجز والمقاومة أعظم حجة على أن القرآن وحي الهي خارج عن طوق البشر . وقد يدعي جاهل من غير المسلمين : أن العرب قد أتت بمثل القرآن وعارضته بالحجة ، وقد اختفت علينا هذه المعارضة لطول الزمان . وجواب ذلك : أن هذه المعارضة لو كانت حاصلة لأعلنتها العرب في أنديتها ، وشهرتها في مواسمها وأسواقها . ولأخذ منه أعداء الإسلام نشيدا يوقعونه في كل مجلس ، وذكرا يرددونه في كل مناسبة ، وللقنه السلف للخلف ، وتحفظوا عليه تحفظ المدعي على حجته ، وكان ذلك أقر لعيونهم من الاحتفاظ بتاريخ السلف ، وأشعار الجاهلية التي ملأت كتب التاريخ ، وجوامع الأدب ، مع أنا لا نرى أثرا لهذه المعارضة ولا نسمع لها بذكر ، على أن القرآن الكريم قد تحدى جميع البشر بذلك ، بل جميع الجن والإنس ، ولم يحصر ذلك بجماعة خاصة . فقال عز من قائل : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 1 » . ونحن نرى النصارى وأعداء الإسلام ، يبذلون الأموال الطائلة في الحط من كرامة هذا الدين ، والنيل من نبيه الأعظم ، وكتابه المقدس ، ويتكرر هذا العمل منهم في كل عام بل في كل شهر . فلو كان من الميسور لهم أن يعارضوا القرآن ، ولو بمقدار سورة منه لكان هذا أعظم لهم في الحجة ، وأقرب لحصول الأمنية ، ولما احتاجوا إلى صرف هذه الأموال ، وإتعاب النفوس . يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ « 2 » . على أن من مارس كلاما بليغا ، وبالغ في ممارسته زمانا ، أمكنه أن يأتي بمثله أو بما يقاربه في الأسلوب ، وهذا مشاهد في العادة ، ولا يجري مثل هذا في القرآن ، فان كثرة ممارسته ودراسته ، لا تمكن الإنسان من مشابهته في قليل ولا كثير ، وهذا يكشف لنا أن للقرآن أسلوبا خارجا عن حدود التعليم والتعلم ، ولو كان القرآن من كلام الرسول وإنشائه ،
--> ( 1 ) سورة الإسراء : الآية 88 . ( 2 ) سورة الصّف : الآية 8 .