مركز الثقافة والمعارف القرآنية

499

علوم القرآن عند المفسرين

مثل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لا أنه استدلال على النبوة مستقيما وبلا واسطة ، والدليل عليه قوله تعالى في أولها : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا « 1 » ولم يقل وان كنتم في ريب من رسالة عبدنا ، فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند اللّه ، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمها تحديا قوله تعالى : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً « 2 » والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة . فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوما خاصا وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده ، وقد قرع بالآية أسماع الإنس والجن . وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن ، كالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعية والأخبار المغيبة ، ومعارف أخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك ، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم ، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات . فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته ، وللحكيم في حكمته ، وللعالم في علمه ، وللاجتماعي في اجتماعه ، وللمقننين في تقنينهم ، وللسياسيين في سياستهم ، وللحكام في حكومتهم ، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعا ، كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان . ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه اعجازا الكل فرد من الانس والجن ، من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول ، فان الإنسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها ، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 23 . ( 2 ) سورة الإسراء : الآية 88 .