مركز الثقافة والمعارف القرآنية
495
علوم القرآن عند المفسرين
فمن طرق إعجازه العلمية أنه دعا للنظر والاستدلال ، قال في الشفاء : « ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد للعرب ، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم ، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم فجمع فيه من بيان علم الشرائع ، والتنبيه على طرق الحجة العقلية ، والرد على فرق الأمم ببراهين قوية وأدلة ، كقوله : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا « 1 » وقوله : أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ « 2 » . وقد فتح الأعين إلى فضائل العلوم بأن شبه العلم بالنور وبالحياة ، كقوله : لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا « 3 » وقوله : يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ « 4 » وقال : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ « 5 » وقال : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ « 6 » . وهذا النوع من الإعجاز هو الذي خالف به القرآن أساليب الشعر وأغراضه مخالفة واضحة . هذا والشاطبي قال في الموافقات : « إن القرآن لا تحمل معانيه ولا يتأوّل إلّا على ما هو متعارف عند العرب » ولعل هذا الكلام صدر منه في التفصي من مشكلات في مطاعن الملحدين اقتصادا في البحث وإبقاء على نفيس الوقت ، وإلا فكيف ينفى إعجاز القرآن لأهل كل العصور ، وكيف يقصر إدراك إعجازه بعد عصر العرب على الاستدلال بعجز أهل زمانه إذ عجزوا عن معارضته ، وإذ نحن نسلم لهم التفوق في البلاغة والفصاحة ، فهذا إعجاز إقناعى بعجز أهل عصر واحد ولا يفيد أهل كل عصر إدراك طائفة منهم لإعجاز القرآن . وقد بينت نقض كلام الشاطبي في أواخر المقدمة الرابعة « 7 » . وقد بدت لي حجة لتعلق هذه الجهة الثالثة بالإعجاز ودوامه وعمومه وهي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح : « ما من الأنبياء نبي إلا أوتى - أو أعطى - من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه اللّه إلى وإني أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » ففيه نكتتان غفل
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 22 . ( 2 ) سورة يس : الآية 81 . ( 3 ) سورة يس : الآية 70 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 257 وسورة المائدة : الآية 16 . ( 5 ) سورة العنكبوت : الآية 43 . ( 6 ) سورة الزّمر : الآية 9 . ( 7 ) انظر المحرر الوجيز ج 1 ص 44 .