مركز الثقافة والمعارف القرآنية
492
علوم القرآن عند المفسرين
أسلوب النثر أقرب إلى الخطابة ، ابتكر للقول أساليب كثيرة بعضها تتنوع بتنوع المقاصد ، ومقاصدها بتنوع أسلوب الإنشاء ، فيها أفانين كثيرة فيجد فيه المطلع على لسان العرب بنيته ورغبته ، ولهذا قال الوليد ابن المغيرة لما استمع إلى قراءة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « واللّه ما هو بكاهن ، ما هو بزمزمته ولا سجعه ، وقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه ، وقريضه ومبسوطه ، ومقبوضه ما هو بشاعر » . وقد اشتمل القرآن على أنواع أساليب الكلام العربي وابتكر أساليب لم يكونوا يعرفونها ، وإن لذلك التنويع حكمتين داخلتين في الإعجاز : أولاهما : ظهور أنه من عند اللّه ، إذ قد تعارف الأدباء في كل عصر أن يظهر نبوغ نوابغهم على أساليب مختلفة كل يجيد أسلوبا أو أسلوبين . الثانية : أن يكون في ذلك زيادة التحدي للمتحدين به بحيث لا يستطيع أحد أن يقول : إن هذا الأسلوب لم تسبق لي معالجته ولو جاءنا بأسلوب آخر لعارضته . نرى من أعظم الأساليب التي خالف بها القرآن أساليب العرب ، أنه جاء في نظمه بأسلوب جامع بين مقصديه ، وهما : مقصد الموعظة ومقصد التشريع ، فكان نظمه يمنح بظاهره السامعين ما يحتاجون أن يعلموه وهو في هذا النوع يشبه خطبهم ، وكان في مطاوي معانيه ما يستخرج منه العالم الخبير أحكاما كثيرة في التشريع والآداب وغيرها ، وقد قال في الكلام على بعضه : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ « 1 » ، هذا من حيث ما لمعانيه من العموم والإيماء إلى العلل والمقاصد وغيرها . ومن أساليبه ما أسميه بالتفنن ، وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبا لثقل تكرير الكلم ، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن عند بلغاء العربية فهو في القرآن كثير ، ثم الرجوع إلى المقصود فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه ، ومن أبدع أمثلة ذلك قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ . أَوْ كَصَيِّبٍ
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 7 .