مركز الثقافة والمعارف القرآنية

484

علوم القرآن عند المفسرين

وخروجه عن طوق البشر مطلقا وخصوصا في ذلك العصر وتلك الأحوال ، وهل يسمح عقله إلا بأن يقول : إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 1 » » « 2 » ؟ ؟ . قال ابن عاشور : « إن العناية بما نحن بصدده من بيان وجوه إعجاز القرآن إنما نبعت من مختزن أصل كبير من أصول الإسلام وهو كونه المعجزة الكبرى للنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكونه المعجزة الباقية ، وهو المعجزة التي تحدى بها الرسول معانديه تحديا صريحا . قال تعالى : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ . أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ « 3 » ولقد تصدى للاستدلال على هذا أبو بكر الباقلاني في كتاب له سماه أو سمّي « إعجاز القرآن » وأطال ، وخلاصة القول فيه : أن رسالة نبينا عليه الصلاة والسّلام بنيت على معجزة القرآن وإن كان قد أيّد بعد ذلك بمعجزات كثيرة ، إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات وأحوال ومع ناس خاصة ونقل بعضها متواترا وبعضها نقل نقلا خاصا ، فأما القرآن فهو معجزة عامة ، ولزوم الحجة به باق من أول ورودها إلى يوم القيامة ، وإن كان يعلم وجه إعجازه من عجز أهل العصر الأوّل عن الإتيان بمثله فيغني ذلك عن نظر مجدّد ، فكذلك عجز أهل كل عصر من العصور التالية عن النظر في حال عجز أهل العصر الأول ، ودليل ذلك متواتر من نص القرآن في عدة آيات تتحدى العرب بأن يأتوا بسورة مثله ، وبعشر سور مثله مما هو معلوم ، ناهيك أن القرآن نادى بأنه معجز لهم ، نحو قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ « 4 » الآية ، فإنه سهّل وسجّل : سهّل عليهم أن يأتوا بمثل سورة من سوره ، وسجّل عليهم أنهم لا يفعلون ذلك أبدا ، فكان كما سجّل ، فالتحدي متواتر وعجز المتحدّين أيضا متواتر بشهادة التاريخ إذ طالت مدتهم في الكفر ولم يقيموا الدليل على أنهم غير عاجزين ، وما استطاعوا الإتيان بسورة مثله ثم عدلوا إلى المقاومة بالقوة . قال اللّه تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا

--> ( 1 ) سورة النّجم : الآية 4 . ( 2 ) آلاء الرحمن ج 1 ص 5 - 16 . ( 3 ) سورة العنكبوت : الآية 50 و 51 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 23 و 24 .