مركز الثقافة والمعارف القرآنية
481
علوم القرآن عند المفسرين
بصيرة بأن المتقول على الوحي في أمر التشريع لا بد له من أن يسقط سقطة تشوه التاريخ وتئنّ منها الحقائق جزعا ، فاعرف اذن اعجاز القرآن في تشريعه الممتاز بفضيلة الوحي الإلهي . اعجازه من وجهة الأخلاق : وإذا نظرت إلى ظلمات العصر والقطر والتربية ، وشيوع الجهل في الأمة ، وسوء الأعمال وعدم الدراسة في العلم أو التخريج في الفضيلة على الحكماء الصالحين ، فإنك ترى هذه الأمور لها اثر كبير في الجهل بالأخلاق الفاضلة والانحراف عن جادتها والخبط في معرفتها وتمييز حدودها . فلا ترد البشر إلى الاستقامة في ذلك تكلفات الفكر المحاط بالجهل العام والجيل المظلم والقطر الوبيء من نزغات الأهواء . ولئن حاول الرجل المريد للصلاح حينئذ شيئا من تهذيب الإخلاق لم يهتد السبيل في قوله وعمله ، إلا إلى شيء يشير اليه التداول بين جملة من الناس ، ولئن تكلف المتفلسف شيئا من التعليم بالأخلاق خبط فيها خبطا غلب فيه الجهل والزلل وتتابعت فيه العثرات . ومن بين تلك الظلمات المذكورة بزغ القرآن الكريم بأنواره ، وأتى بما لا تسمح به العادة بأن يأتي به في تلك الظلمات بشر من عند نفسه وتقولا على الوحي ، فجاء في اجماله وتفصيله مستقصيا للأخلاق الفاضلة على حدودها بالحث على التزين بها بما توجبه الحكمة من البعث والترغيب . ومحصيا للأخلاق الرذيلة بالزجر عن التلوث بها بما يوجبه الإصلاح من الارهاب والتنفير . وأقام لذلك في العالم اشرف مدرسة زاهرة وأعلى فلسفة مرشدة ، وأبلغ خطابة واعظة ، وإليك بعضا من جوامعه في ذلك كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ « 1 » . ومن سورة الفرقان ما في الآية الرابعة والستين إلى الخامسة والسبعين . ومن سورة المعارج ما في الآية الثالثة والعشرين إلى الثالثة والثلاثين . ومن سورة الحجرات ما في الآيات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة . وغير ذلك مما لا يكاد أن تخلو منه سورة أو يتخطاه تعليم أو يحابي به قوم دون قوم أو يتجاوز بالافراط إلى التفريط
--> ( 1 ) سورة النّحل : الآية 90 .