مركز الثقافة والمعارف القرآنية
448
علوم القرآن عند المفسرين
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً « 1 » . قلت : فهذه عشرة أوجه ذكرها علماؤنا رحمة اللّه عليهم ، ووجه حادي عشر قاله النظام وبعض القدرية : أن وجه الإعجاز هو المنع من معارضته ، والصرفة عند التحدي بمثله . وأن المنع والصرفة هو المعجزة دون ذات القرآن ، وذلك أن اللّه تعالى صرف هممهم عن معارضته مع تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله . وهذا فاسد ، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز ، فلو قلنا : إن المنع ، والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزا ، وذلك خلاف الإجماع ، وإذا كان كذلك علم أن نفس القرآن هو المعجز ، لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة ، وإذا لم يوجد قط كلام على هذا الوجه ، فلما لم يكن ذلك الكلام مألوفا معتادا منهم ، دل على أن المنع والصرفة لم يكن معجزا . واختلف من قال بهذه الصرفة على قولين : أحدهما : - أنهم صرفوا عن القدرة عليه ، ولو تعرضوا له لعجزوا عنه . الثاني : - أنهم صرفوا عن التعرض له مع كونه في مقدروهم ، ولو تعرضوا له لجاز أن يقدروا عليه . قال ابن عطية : « وجه التحدي في القرآن إنما هو بنظمه وصحة معانيه ، وتوالى فصاحة ألفاظه . ووجه إعجازه : أن اللّه تعالى قد أحاط بكل شيء علما ، وأحاط بالكلام كله علما ، فعلم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى ، وتبين المعنى بعد المعنى ، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره ، والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم ضرورة أن بشرا لم يكن محيطا قط ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة . وبهذا النظر يبطل قول من قال : إن العرب كان في قدرتها أن تأتى بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، فلما جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلّم صرفوا عن ذلك ، وعجزوا عنه . والصحيح أن الإتيان بمثل القرآن لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر في أن الفصيح منهم يضع خطبة أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا ، ثم تعطى لآخر بعده في أخذها بقريحة جامة فيبدل فيها وينقح ، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضع للنظر والبدل ، وكتاب اللّه تعالى لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن
--> ( 1 ) سورة النساء : الآية 82 .